Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله: { فَوَيْلٌ } ٱختُلِف في الوَيْل ما هو فروى عثمان بن عفّان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار. وروى أبو سعيد الخُدْرِي أن الويل وادٍ في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفاً. وروى سفيان وعطاء بن يَسار: أن الويل في هذه الآية وادٍ يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار. وقيل: صهريج في جهنم. وحكى الزّهراوي عن آخرين: أنه باب من أبواب جهنم. وعن ٱبن عباس: الويل المشقة من العذاب. وقال الخليل: الويل شدّة الشر. الأصمعي: الويلُ تفجُّعٌ، والوَيْحُ ترحُّمٌ. سيبويه: وَيْلٌ لمن وقع في الهَلَكة، ووَيْحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهَلَكة. ٱبن عرفة: الويل الحزن يقال: تَوَيّل الرجل اذا دعا بالويل وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه ومنه قوله: { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ }. وقيل: أصله الهَلَكة، وكل من وقع في هَلَكة دعا بالويل ومنه قوله تعالى:يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ } [الكهف: 49]. وهي الوَيْل والوَيْلة، وهما الهَلَكة، والجمع الويلات قال:
له الوَيْل إن أمْسَى ولا أمّ هاشم   
وقال أيضاً:
فقالت لك الوَيْلات إنك مُرْجلِي   
وٱرتفع «وَيْلٌ» بالابتداء، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء. قال الأخفش: ويجوز النصب على إضمار فعل أي ألزمهم الله وَيْلاً. وقال الفَرّاء: الأصل في الويل «وَيْ» أي حُزْن كما تقول: وَيْ لفلان أي حُزْن له، فوصلته العرب باللام وقدّروها منه فأعربوها. والأحسن فيه إذا فُصل عن الإضافة الرفع لأنه يقتضي الوقوع. ويصحّ النصب على معنى الدعاء كما ذكرنا. قال الخليل: ولم يُسمع على بنائه إلا وَيْح ووَيْس وَويْه ووَيْك ووَيْل ووَيْب وكله يتقارب في المعنى. وقد فرّق بينها قوم وهي مصادر لم تنطق العرب منها بفعل. قال الجَرْمِيّ: ومما ينتصب ٱنتصاب المصادر وَيْلَه وعَوْلَه ووَيْحه ووَيْسَه فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت: وَيْلٌ له، ووَيْح له. الثانية: قوله تعالى: { لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ } الكتابة معروفة. وأوّل من كتب بالقلم وخطّ به إدريس عليه السلام وجاء ذلك في حديث أبي ذَرّ، خرّجه الآجُرّي وغيره. وقد قيل: إن آدم عليه السلام أعطي الخط فصار وراثة في ولده. الثالثة: قوله تعالى: { بِأَيْدِيهِمْ } تأكيد، فإنه قد عُلم أن الكَتْب لا يكون إلا باليد فهو مثل قوله:وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [الأنعام: 38]، وقوله:يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم } [آل عمران: 167]. وقيل: فائدة { بِأَيْدِيهِمْ } بيان لجُرْمهم وإثبات لمجاهرتهم، فإن مَن تولّى الفعل أشدّ مواقعة ممن لم يتوَلّه وإن كان رأياً له. وقال ٱبن السّراج: { بِأَيْدِيهِمْ } كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة في كَتْبِ أيديهم. الرابعة: في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل من بدّل وغيّر أو ٱبتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال:

السابقالتالي
2