Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }

«إذ» ٱسم للوقت الماضي. و «إذا» ٱسم للوقت المستقبل. و «آتينا»: أعطينا. وقد تقدّم جميع هذا. والكتاب: التوراة بإجماع من المتأوّلين. وٱختلف في الفرقان فقال الفَرّاء وقُطْرُب: المعنى آتينا موسى التوراة، ومحمداً عليه السلام الفرقان. قال النحاس: هذا خطأ في الإعراب والمعنى أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه. وأما المعنى فقد قال تعالى:وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ } [الأنبياء: 48]. قال أبو إسحٰق الزجاج: يكون الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره باسمين تأكيداً. وحكي عن الفرّاء ومنه قول الشاعر:
وقَدّمتِ الأدِيمَ لراهِشَيْهِ   وأَلْفَى قولَها كذِباً ومَيْنَا
وقال آخر:
ألاَ حبّذا هِندٌ وأرضٌ بها هِندُ   وهندٌ أتى من دونها النَّأْيُ والبُعْدُ
فنسق البُعْد على النّأي، والمَيْنُ على الكذب لاختلاف اللفظين تأكيداً ومنه قول عنترة:
حُيّييتِ مِن طَلَل تقادَم عهدُه   أقْوَى وأقفرَ بعد أمّ الهيْثَمِ
قال النحاس: وهذا إنما يجيء في الشعر، وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: فرقا بين الحق والباطل أي الذي علمه إياه. وقال ٱبن زيد: الفرقان ٱنفراق البحر له حتى صار فَرِقاً فعبروا. وقيل: الفرقان الفرج من الكرب لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط ومنه قوله تعالى:إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } [الأنفال: 29] أي فرجاً ومخرجاً. وقيل إنه الحجة والبيان. قاله ٱبن بحر. وقيل: الواو صلة، والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في النعوت كقولهم: فلان حسن وطويل وأنشد:
إلى المَلِك القَرْم وٱبن الهمام   وليثِ الكَتيبةِ في المُزْدَحمْ
أراد إلى الملك القرم ٱبن الهمام ليث الكتيبة. ودليل هذا التأويل قوله عزّ وجلّ:ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام: 154] أي بين الحرام والحلال والكفر والإيمان والوعد والوعيد، وغير ذلك. وقيل: الفرقان الفَرْق بينهم وبين قوم فرعون أنجى هؤلاء وأغرق أولئك. ونظيره:يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } [الأنفال: 41]. فقيل: يعني به يوم بَدْر نصر الله فيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، وأهلك أبا جهل وأصحابه. { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا من الضلالة. وقد تقدّم.