Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }

فيه خمس مسائل: الأُولىٰ ـ لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث على الجهاد، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلاَّ نبيّ فله في جهاده الثواب العظيم. روى البستِيّ في صحيح مسنده " عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب زِد أُمّتي» فنزلت { مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } [البقرة: 245] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب زد أُمتي» فنزلت { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر: 10] " وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك. وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة. وطريق آخر: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدّق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم قال تعالىٰ: { وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ } يعني على سبعمائة فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، إن كان حاذقاً في عمله ويكون البذر جيداً وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر فكذلك المتصدّق إذا كان صالحاً والمال طيباً ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر خلافاً لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة، على ما نبينه إن شاء الله. الثانية ـ " روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرّحمٰن بن عوف رضي الله عنهما وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تَبُوكَ جاءه عبد الرّحمن بأربعة آلاف فقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت». وقال عثمان: يا رسول الله عليّ جهاز من لا جهاز له فنزلت هذه الآية فيهما " وقيل: نزلت في نفقة التطوّع. وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نُسخت بآية الزكاة، ولا حاجة إلى دعوى النسخ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت. وسُبُل الله كثيرة أعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البُرّ فكثيراً ما يُراد بالحَبِّ ومنه قول المُتَلَمَسِّ:
آليتُ حَبّ العراقِ الدّهرَ أطعمه   والحَبُّ يأكلُه في القَرْيَة السُّوسُ
وحبة القلب: سوايداؤه، ويُقال ثمرته وهو ذاك.

السابقالتالي
2 3