Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

قوله تعالى: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ٱلَّذِي جَعَلَ } معناه هنا صيّر لتعدّيه إلى مفعولين. ويأتي بمعنى خلق ومنه قوله تعالى:مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ } [المائدة: 103] وقوله:وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ } [الأنعام: 1]. ويأتي بمعنى سَمَّى ومنه قوله تعالى:حـمۤ. وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } [الزخرف: 1 ـ 3]. وقوله:وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } [الزخرف: 15].وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً } [الزخرف: 19] أي سَمّوهم. ويأتي بمعنى أخذ كما قال الشاعر:
وقد جَعلتْ نَفسِي تَطيبُ لِضَغْمةٍ   لضَغْمِهِما هَا يَقرَعُ العظمَ نابُها
وقد تأتي زائدة كما قال الآخر:
وقد جعلتُ أرى الاثنين أربعةً   والواحد ٱثنينِ لمْا هدّني الكِبَرُ
وقد قيل في قوله تعالى:وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ } [الأنعام: 1]: إنها زائدة. وجعل وٱجتعل بمعنىً واحد قال الشاعر:
ناط أَمْرَ الضِّعافِ وٱجتعل الليـ   ـلَ كَحْبلِ العادِيّةِ الممدُودِ
{ فِرَاشاً } أي وِطاء يفترشونها ويستقرّون عليها. وما ليس بفراشٍ كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها لأن الجبال كالأوتاد كما قال:أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً } [النبأ: 6 ـ 7]. والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال:وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } [البقرة: 164]. الثانية: قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث لأن اللفظ لا يرجع إليهما عُرْفاً. وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الأيمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين فإن عدم ذلك فالعرف. الثالثة: قوله تعالى: { وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً } السماء للأرض كالسّقف للبيت ولهذا قال وقوله الحق:وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً } [الأنبياء: 32]. وكل ما علا فأظلّ قيل له سماء وقد تقدم القول فيه. والوقف على «بِناء» أحسن منه على «تَتّقُونَ» لأن قوله:ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } [البقرة:22] نعت للرّب. ويقال: بَنَى فلان بيتاً، وبنى على أهله ـ بِناء فيهما ـ أي زَفّها. والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ وكأنّ الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قُبْةً ليلة دخوله بها فقيل لكل داخل بأهله: بانٍ. وبَنّى مقصوراً شدّد للكثرة، وٱبنتى دار وبَنَى بمعنىً ومنه بنيان الحائط وأصله وضع لَبِنَة على أخرى حتى تثبت. وأصل الماء مَوَهٌ، قلبت الواو ألفاً لتحرّكها وتحرّك ما قبلها فقلت مَاهٌ، فٱلتقى حرفان خفيّان فأبدلت من الهاء همزة لأنها أجلد، وهي بالألف أشبه فقلت: ماء الألف الأولى عين الفعل، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء، وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو الحسن: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين، وإن شئت بثلاث فإذا جمعوا أو صغّروا ردّوا إلى الأصل فقالوا: مُوَيْهٌ وأَمْوَاهٌ ومِيَاهٌ مثل جِمَال وأجمْال.

السابقالتالي
2 3