Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ }

قوله تعالى: { وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، وليس تنفعهم الآيات أي العلامات. وجمع قِبْلة في التكسير: قِبَلٌ. وفي التسليم: قِبلاتٌ. ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، فتقول قِبَلات. ويجوز أن تحذف الكسرة وتسكن الباء فتقول قِبْلات. وأُجيبت «لئِن» بجواب «لو» وهي ضدّها في أن «لو» تَطلب في جوابها المضيّ والوقوع، و «لئن» تطلب الاستقبال فقال الفراء والأخفش: أجيبت بجواب «لو» لأن المعنى: ولو أتيت. وكذلك تُجاب «لو» بجواب «لئن»، تقول: لو أحسنت أحسن إليك ومثله قوله تعالى:وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ } [الروم: 51] أي ولو أرسلنا ريحاً. وخالفهما سيبويه فقال: إن معنى «لئن» مخالف لمعنى «لو» فلا يدخل واحد منهما على الآخر فالمعنى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قِبْلتك. قال سيبويه: ومعنى { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ } ليظُّلن. قوله تعالى: { وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } لفظ خبر ويتضمّن الأمر أي فلا تركن إلى شيء من ذلك. ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست متّبعة قِبلة النصارى ولا النصارى متّبعة قِبلة اليهود عن السُّدّي وٱبن زيد. فهذا إعلام بٱختلافهم وتدابرهم وضلالهم. وقال قوم: المعنى وما من ٱتبعك ممن أسلم منهم بمتّبع قِبلَة مَن لم يُسلم، ولا من لم يُسلم قِبلةَ من أسلم. والأوّل أظهر، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: { وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد أمّته ممن يجوز أن يتّبع هواه فيصير بٱتباعه ظالماً، وليس يجوز أن يفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالماً فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقطعِنا أنّ ذلك لا يكون منه، وخُوطب النبيّ صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر ولأنه المنزل عليه. والأهواء: جمع هوًى، وقد تقدّم وكذا { مِنَ الْعِلْم } تقدّم أيضاً، فلا معنى للإعادة.