Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ }

قوله تعالى: { رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وفي قراءة أُبَيّ «وَٱبْعثْ فِي آخِرِهِم رَسُولاً مِنهم». وقد روى خالد بن مَعْدَان: " أنّ نفراً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبُشْرَى عيسى " و «رسولاً» أي مرسَلاً وهو فعول من الرسالة. قال ٱبن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من قولهم: ناقةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النُّوق. ويقال للجماعة المهملة المرسَلة: رَسَلٌ، وجمعه أرسال. ويقال: جاء القوم أرسالاً، أي بعضهم في أثر بعض ومنه يقال للبن رِسْلٌ لأنه يرسل من الضرع. قوله تعالى: { وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ } «الكتاب»: القرآن. و «الحكمة»: المعرفة بالدِّين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو سجّية ونور من الله تعالى قاله مالك، ورواه عنه ٱبن وهب، وقاله ٱبن زيد: وقال قتادة: «الحكمة» السُّنة وبيان الشرائع. وقيل: الحُكْم والقضاء خاصّةً والمعنى متقارب. ونُسب التعليم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها، ويعلم طريق النظر بما يلقيه الله إليه من وَحْيه. { وَيُزَكِّيهِمْ } أي يطهرهم من وَضَر الشرك عن ٱبن جُريج وغيره. والزكاة: التطهير، وقد تقدّم. وقيل: إن الآيات تلاوة ظاهر الألفاظ. والكتاب معاني الألفاظ. والحِكمة الحُكْم وهو مراد الله بالخطاب من مطلق ومقيّد، ومفسّر ومُجْمَل، وعموم وخصوص، وهو معنى ما تقدّم، والله تعالى أعلم. و { ٱلعَزِيزُ } معناه المنيع الذي لا ينال ولا يغالب. وقال ٱبن كَيْسان: معناه الذي لا يُعجزه شيء دليله:وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ } [فاطر: 44]. الكسائي: «العزيزُ» الغالب ومنه قوله تعالى:وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ } [ص: 23]. وفي المَثل: «مَن عَزّبَزّ» أي من غَلب سَلب. وقيل: «العزيز» الذي لا مِثْل له بيانهلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11]. وقد زدنا هذا المعنى بياناً في ٱسمه العزيز في كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» وقد تقدّم معنى «الحكيم» والحمد لله.