Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق


{ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ } * { وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ }

قوله تعالى: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ } أي بالمطر. «والسَّحاب» جمع، والواحدة سَحَابة، وسُحُب وسَحَائب في الجمع أيضاً. { وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ } قد مضى في «البقرة» القول في الرعد والبرق والصواعق فلا معنى للإعادة والمراد بالآية بيان كمال قدرته وأن تأخير العقوبة ليس عن عجز أي يريكم البرق في السماء خوفاً للمسافر، فإنه يخاف أذاه لما يناله من المطر والهول والصواعق قال الله تعالى:أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ } [النساء: 102] وطمعاً للحاضر أن يكون عقِبه مطر وخِصْب قال معناه قَتَادة ومجاهد وغيرهما. وقال الحسن: خوفاً من صواعق البرق، وطمعاً في غيثه المزيل للقحط. «وَيُنْشِىءُ السَّحَّابَ الثِّقَالَ» قال مجاهد: أي بالماء. «وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» من قال إن الرّعد صوت السحاب فيجوز أن يُسبّح الرعد بدليل خلق الحياة فيه ودليل صحة هذا القول قوله: «وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» فلو كان الرّعد مَلَكاً لدخل في جملة الملائكة. ومن قال إنه ملك قال: معنى. «مِنْ خِيفَتِهِ» من خيفة الله قاله الطَّبَريّ وغيره. قال ابن عباس: إن الملائكة خائفون من الله ليس كخوف ٱبن آدم لا يعرف واحدهم مَن على يمينه ومَن على يساره، لا يشغلهم عن عبادة الله طعام ولا شراب وعنه قال: الرّعد ملَك يَسوق السّحاب، وإن بخار الماء لفي نُقْرة إبهامه، وأنه مُوَكّل بالسّحاب يصرفه حيث يؤمر، وأنه يسبّح الله فإذا سبّح الرّعد لم يبق مَلَك في السّماء إلا رفع صوته بالتّسبيح، فعندها ينزل القَطْر، وعنه أيضاً كان إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان الذي سَبَّحَت له. وروى مالك عن عامر بن عبد الله عن أبيه أنه كان إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان الذي يُسَبِّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد. وقيل: إنه مَلَك جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، وعن يمينه سبعون ألف مَلَك، وعن يساره مثل ذلك فإذا أقبل على يمينه وسبّح سبّح الجميع من خوف الله، وإذا أقبل على يساره وسَبّح سَبَّح الجميع من خوف الله. { وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ } ذكر الماورديّ عن ابن عباس وعليّ بن أبي طالب ومجاهد: نزلت في يهوديّ قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أخبرنيٰ مِن أيّ شيء ربّك، أمِن لؤلؤ أم من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. وقيل: نزلت في بعض كفّار العرب قال الحسن: كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي صلى الله عليه وسلم نَفَراً يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام فقال لهم: أخبروني عن ربّ محمد ما هو، ومِمّ هو، أمِن فضة أم من حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فقال: أُجِيبُ محمداً إلى ربّ لا يعرفه! فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه مراراً وهو يقول مثل هذا فبينا النَّفَر ينازعونه ويدعونه إذ ٱرتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة، فأحرقت الكافر وهم جلوس فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ٱحترق صاحبكم، فقالوا: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى الله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

السابقالتالي
2 3 4