Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

في الآية مسائل: المسألة الأولى قرأ ابن عامر { وَأَنَّ هَـٰذَا } بفتح الألف وسكون النون وقرأ حمزة والكسائي { وَأَنْ } بكسر الألف وتشديد النون أما قراءة ابن عامر فأصلها { وإِنَّهُ هَـٰذَا صِرٰطِي } والهاء ضمير الشأن والحديث وعلى هذا الشرط تخفف. قال الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل   
أي قد علموا أنه هالك، وأما كسر { إن } فالتقديرأَتْلُ مَا حَرَّمَ } [الأنعام: 151] وأتل { أَنَّ هَذَا صِرٰطِي } بمعنى أقول وقيل على الاستئناف. وأما فتح أن فقال الفراء فتح { أن } من وقوع أتل عليها يعني وأتل عليكم { أَنَّ هَذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا } قال: وإن شئت جعلتها خفضاً والتقدير { ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ } وبأن هذا صراطي. قال أبو علي: من فتح { أن } فقياس قول سيبويه أنه حملها على قوله: { فَٱتَّبَعُوهُ } والتقدير لأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه كقوله:وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } [المؤمنون: 52] وقال سيبويه لأن هذه أمتكم، وقال في قوله:وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً } [الجن: 18] والمعنى ولأن المساجد لله. المسألة الثانية: القراء أجمعوا على سكون الياء من { صِرٰطِي } غير ابن عامر فإنه فتحها وقرأ ابن كثير وابن عامر { سراطي } بالسين وحمزة بين الصاد والزاي والباقون بالصاد صافية وكلها لغات قال صاحب «الكشاف»: قرأ الأعمش { وَهَـٰذَا صِرٰطِي } وفي مصحف عبد الله { وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبُّكُـمْ } وفي مصحف أبي { وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبّكَ }. المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به أجمل في آخره إجمالاً يقتضي دخول ما تقدم فيه، ودخول سائر الشريعة فيه فقال: { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا } فدخل فيه كل ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم، فاتبعوا جملته وتفصيله ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطاً، ثم قال: " " هذا سبيل الرشد ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه؟ " " ثم تلا هذه الآية: { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ } وعن ابن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. ثم قال: { ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ } أي بالكتاب { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصي والضلالات. المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقاً فهو واحد، ولا يلزم منه أن يقال: إن كل ما كان واحداً فهو حق، فإذا كان الحق واحداً كان كل ما سواه باطلاً، وما سوى الحق أشياء كثيرة، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثيراً بعين ما قررناه في القضية الأولى.