Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }

قوله تعالى: { ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ }. اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى الافتراء أو إلى أنه يدارس أقواماً ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآناً ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى، أتبعه بقوله: { ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة، ونبه بقوله: { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } على أنه تعالى لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته، ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين. وأما قوله: { وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } فقيل: المراد ترك المقابلة، فلذلك قالوا إنه منسوخ، وهذا ضعيف لأن الأمر بترك المقابلة في الحال لا يفيد الأمر بتركها دائماً، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ. وقيل المراد ترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغليظ. قوله تعالى: { وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }. اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم، فكأنه تعالى يقول له لا تلتفت إلى سفاهات هؤلاء الكفار، ولا يثقلن عليك كفرهم، فإني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت، ولكني تركتهم مع كفرهم، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم. واعلم أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: { وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ } والمعنى: ولو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا، وحيث لم يحصل الجزاء علمنا أنه لم يحصل الشرط، فعلمنا أن مشيئة الله تعالى بعدم إشراكهم غير حاصلة. قالت المعتزلة: ثبت بالدليل أنه تعالى أراد من الكل الإيمان، وما شاء من أحد الكفر والشرك، وهذه الآية تقتضي أنه تعالى ما شاء من الكل الإيمان، فوجب التوفيق بين الدليلين فيحمل مشيئة الله تعالى لإيمانهم على مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر وللإلجاء. يعني أنه تعالى ما شاء منهم أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء، لأن ذلك يبطل التكليف ويخرج الإنسان عن استحقاق الثواب. هذا ما عول القوم عليه في هذا الباب، وهو في غاية الضعف ويدل عليه وجوه: الأول: لا شك أنه تعالى هو الذي أقدر الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان فخالق تلك القدرة لا شك أنه كان مريداً للكفر، وإن كانت صالحة للإيمان لم يترجح جانب الكفر على جانب الإيمان إلا عند حصول داع يدعوه إلى الإيمان، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، ومجموع القدرة مع الداعي إلى الكفر يوجب الكفر، وإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله تعالى، وثبت أن مجموعهما يوجب الكفر.

السابقالتالي
2