Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } * { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } * { قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } * { قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ }

القصة الثانية، قصة إبراهيم عليه السلام اعلم أن قوله تعالى: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ } فيه مسائل: المسألة الأولى: في الرشد قولان: الأول: أنه النبوة واحتجوا عليه بقوله: { وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } قالوا: لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب ما لا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول. والثاني: أنه الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا قال تعالى: { فَإِنْ آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } وفيه قول ثالث وهو أن تدخل النبوة والاهتداء تحت الرشد إذ لا يجوز أن يبعث نبي إلا وقد دله الله تعالى على ذاته وصفاته ودله أيضاً على مصالح نفسه ومصالح قومه وكل ذلك من الرشد. المسألة الثانية: احتج أصحابنا في أن الإيمان مخلوق لله تعالى بهذه الآية فإنه لو كان الرشد هو التوفيق والبيان فقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم. أجاب الكعبي: بأن هذا يقال فيمن قبل لا فيمن رد، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه. فيقال: أغنى فلان ابنه فيمن أثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع. والجواب عنه: هذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله جزءاً من مسمى الرشد وذلك باطل، لأن المسمى إذا كان مركباً من جزأين ولا يكون أحدهما مقدور الفاعل لم يجز إضافة ذلك المسمى إلى ذلك الفاعل فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص وهو قوله: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ } صريح في أن ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى فبطل ما قالوه. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قرىء رشده كالعدم والعدم، ومعنى إضافته إليه أنه رشد مثله وأنه رشد له شأن. أما قوله تعالى: { مِن قَبْلُ } ففيه وجوه: أحدها آتينا إبراهيم نبوته واهتداءه من قبل موسى عليه السلام عن ابن عباس وابن جرير. وثانيها: في صغره قبل بلوغه حين كان في السرب وظهرت له الكواكب فاستدل بها. وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم بنبوته عليه السلام قبل البلوغ عن مقاتل. وثالثها: يعني حين كان في صلب آدم عليه السلام حين أخذ الله ميثاق النبيين عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك. أما قوله تعالى: { وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } فالمراد أنه سبحانه علم منه أحوالاً بديعة وأسراراً عجيبة وصفات قد رضيها حتى أهله لأن يكون خليلاً له، وهذا كقولك في رجل كبير: أنا عالم بفلان فإن هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت جلال كماله.

السابقالتالي
2