Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الكشاف/ الزمخشري (ت 538 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } * { أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } * { وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } * { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ }

{ يَٰجِبَالُ } إمّا أن يكون بدلاً من { فَضْلاً } ، وإمّا من { ءاتَيْنَا } بتقدير قولنا يا جبال. أو قلنا يا جبال. وقرىء «أوّبي» و «أوبي» من التأويب. والأوب أي رجعي معه التسبيح. أو ارجعى معه في التسبيح كلما رجع فيه لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه ومعنى تسبيح الجبال أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود. وقيل كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. وقرىء «والطير»، رفعاً ونصباً، وعطفاً على لفظ الجبال ومحلها. وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، وأن يعطف على فضلاً، بمعنى وسخرنا له الطير. فإن قلت أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال { ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً } تأويب الجبال معه والطير؟ قلت كم بينهما. ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى من الدلالة على عزّة الربوبية وكبرياء الإلٰهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته { وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وجعلناه له ليناً كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل لأن الحديد في يده لما أوتي من شدّة القوّة أن ٱعمل سابغات وقرىء «صابغات» وهي الدروع الواسعة الضافية، وهو أوّل من اتخذها وكانت قبل صفائح. وقيل كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء. وقيل كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً، فيسأل الناس عن نفسه، ويقول لهم ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه، فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته، فقال نعم الرجل لولا خصلة فيه فريع داود، فسأله؟ فقال لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع { وَقَدَّرَ في ٱلسَّرْدِ } لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق، ولا غلاظاً فتفصم الحلق. والسرد نسج الدروع { وَٱعْمَلُواْ } الضمير لدواد وأهله { و } سخرنا { لِسْلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } فيمن نصب ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع، وكذلك فيمن قرأ الرياح، بالرفع { غُدُوُّهَا شَهْرٌ } جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك. وقرىء «غدوتها وروحتها». وعن الحسن رضي الله عنه كان يغدو فيقيل باصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل. ويحكى أنّ بعضهم رأي مكتوباً في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه فبائتون بالشام إن شاء الله.

السابقالتالي
2