Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الكشاف/ الزمخشري (ت 538 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ }

213 لما رمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه، أقبل يريد قتله فذب عنه صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد، حتى قتله ابن قمئة وهو يرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قد قتلت محمداً. وصرخ صارخ ألا إن محمداً قد قتل. وقيل كان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله فانكفؤا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «إليّ عباد الله» حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هربهم، فقالوا يا رسول الله ـــ فديناك بآبائنا وأمهاتنا ـــ أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فنزلت وروي 214 أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقال ناس من المنافقين لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر ـــ عم أنس بن مالك ـــ يا قوم، إن كان قتل محمد فإن رب محمد حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه. ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل. وعن بعض المهاجرين أنه مرّ بأنصاري يتشحط في دمه، فقال يا فلان، أشعرت أن محمداً قد قتل، فقال إن كان قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم. والمعنى { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة، لا وجوده بين أظهر قومه { أَفإيْن مَّاتَ } الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أنّ خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم، لا للانقلاب عنه. فإن قلت لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت لكونه مجوّزاً عند المخاطبين. فإن قلت أما علموه من ناحية قولهوَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } المائدة 67؟ قلت هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوي البصيرة. ألا ترى أنهم سمعوا بخبر قتله فهربوا، على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس وإذلالهم. والانقلاب على الأعقاب الإدبار عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم به من أمر الجهاد وغيره.

السابقالتالي
2