Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الكشاف/ الزمخشري (ت 538 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ } * { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } * { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } * { فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } * { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } * { أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } * { ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ } * { مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ }

الأعجم الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة واستعجام. والأعجمي مثله. إلا أن فيه لزيادة ياء النسبة زيادة تأكيد. وقرأ الحسن الأعجميين. ولما كان من يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه، قالوا له أعجم وأعجمي، شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين، وقالوا لكل ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها أعجم، قال حميد
وَلاَ عَرَبِيًّا شَاقَهُ صوت أَعْجَمَا   
{ سَلَكْنَاهُ } أدخلناه ومكناه. والمعنى إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين، فسمعوا به وفهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله على أن البشارة بإنزاله وتحلية المنزل عليه وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصحّ بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به وجحدوه، وسموه شعراً تارة، وسحراً أخرى، وقالوا هو من تلفيق محمد وافترائه { وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ } الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فضلاً أن يقدر على نظم مثله { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم } هكذا فصيحاً معجزاً متحدّي به، لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم عذراً، ولسموه سحراً، ثم قال { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم، وهكذا مكناه وقررّناه فيها، وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها، فكيفما فعل بهم وصنع وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره، كما قالوَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } الأنعام 7 فإن قلت كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟ قلت أراد به الدلالة على تمكنه مكذباً في قلوبهم أشدّ التمكن، وأثبته فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه وفطروا. ألا ترى إلى قولهم هو مجبول على الشح، يريدون تمكن الشحّ فيه لأنّ الأمور الخلقية أثبت من العارضة، والدليل عليه أنه أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه، وهو قوله { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ }. فإن قلت ما موقع { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } من قوله { سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }؟ قلت موقعه منه موقع الموضح والملخص لأنه مسوق لثباته مكذباً مجحوداً في قلوبهم، فأتبع ما يقرّر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد. ويجوز أن يكون حالاً، أي سلكناه فيها غير مؤمن به. وقرأ الحسن «فتأتيهم»، بالتاء يعني الساعة. وبغتة، بالتحريك. وفي حرف أبيّ «ويروه بغتة». فإن قلت ما معنى التعقيب في قوله { فيأتيهم بغتة.... فَيَقُولُواْ }؟ قلت ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشدّ منها وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة.

السابقالتالي
2