Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ حـمۤ } * { تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } * { بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }

قال أبو جعفر: قد تقدم القول منا فيما مضى قبلُ في معنى «حم»، والقول في هذا الموضع كالقول في ذلك. وقوله: { تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرِّحِيمِ } يقول تعالى ذكره: هذا القرآن تنزيل من عند الرحمن الرحيم نزّله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم { كِتابٌ فُصّلَتْ آياتُهُ } يقول: كتاب بينت آياته كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: { فُصّلَتْ آياتُهُ } قال: بُيِّنت آياتُه. وقوله: { قُرآناً عَرَبِيًّا } يقول تعالى ذكره: فُصلت آياته هكذا. وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب القرآن، فقال بعض نحوييِّ البصرة قوله: { كِتابٌ فُصّلت } الكتاب خبر لمبتدأ أخبر أن التنزيل كتاب، ثم قال: { فُصّلَتْ آياتُهُ قُرآناً عَرَبِيًّا } شغل الفعل بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل، فنصب القرآن، وقال: { بَشِيراً ونَذِيراً } على أنه صفة، وإن شئت جعلت نصبه على المدح كأنه حين ذكره أقبل في مدحته، فقال: ذكرنا قرآناً عربيا بشيراً ونذيراً، وذكرناه قرآناً عربياً، وكان فيما مضى من ذكره دليل على ما أضمر. وقال بعض نحوييّ الكوفة: نصب قرآناً على الفعل: أي فصلت آياته كذلك. قال: وقد يكون النصب فيه على القطع، لأن الكلام تامّ عند قوله «آياته». قال: ولو كان رفعاً على أنه من نعت الكتاب كان صواباً، كما قال في موضع آخر:كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ } وقال: وكذلك قوله: { بَشِيراً وَنَذِيراً } فيه ما في { قُرآناً عَربيًّا }. وقوله: { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يقول: فصلت آيات هذا الكتاب قرآناً عربياً لقوم يعلمون اللسان العربي، بشيراً لهم يبشرهم إن هم آمنوا به، وعملوا بما أنزل فيه من حدود الله وفرائضه بالجنة، { ونذيراً } يقول ومنذراً من كذّب به ولم يعمل بما فيه بأمر الله في عاجل الدنيا، وخلود الأبد في نار جهنم في آجل الآخرة. وقوله: { فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ } يقول تعالى ذكره: فاستكبر عن الإصغاء له وتدبر ما فيه من حجج الله، وأعرض عنه أكثر هؤلاء القوم الذين أنزل هذا القرآن بشيراً لهم ونذيراً، وهم قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } يقول: فهم لا يصغون له فيسمعوا إعراضاً عنه واستكباراً.