Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ حـمۤ } * { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } * { غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ }

اختلف أهل التأويل في معنى قوله { حم } فقال بعضهم: هو حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم، وهو الحاء والميم منه. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبُّويه المروَزي، قال: ثنا عليّ بن الحسن، قال: ثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: الر، وحم، ون، حروف الرحمن مقطعة. وقال آخرون: هو قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: { حم }: قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله { حم }: من حروف أسماء الله. وقال آخرون: بل هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { حم } قال: اسم من أسماء القرآن. وقال آخرون: هو حروف هجاء. وقال آخرون: بل هو اسم، واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفَى العبسي:
يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرّمْحُ شاجِرٌ   فَهَلاَّ تَلا حم قَبْلَ التَّقَدّمِ
وبقول الكُمَيت:
وَجَدْنا لَكُمْ فِي آلِ حامِيم آيَةً   تَأَوَّلَها مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ
وحُدثت عن معمر بن المثنى أنه قال: قال يونس، يعني الجرمي: ومن قال هذا القول فهو منكَر عليه، لأن السورة { حم } ساكنة الحروف، فخرجت مخرج التهجي، وهذه أسماء سور خرجت متحركات، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخلهُ الإعراب. والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها، وقد بيَّنا ذلك، في قوله:الم } ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع، إذ كان القول في حم، وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه، أعني حروف التهجي قولاً واحداً. وقوله: { تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ } يقول الله تعالى ذكره: من الله العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم بما يعملون من الأعمال وغيرها تنزيل هذا الكتاب فالتنزيل مرفوع بقوله: { مِنَ اللَّهِ }. وفي قوله: { غافِرِ الذَّنْبِ } وجهان أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد، وإذا أريد هذا المعنى، كان خفض غافر وقابل من وجهين، أحدهما من نية تكرير «من»، فيكون معنى الكلام حينئذ: تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، من غافر الذنب، وقابل التوب، لأن غافر الذنب نكرة، وليس بالأفصح أن يكون نعتاً للمعرفة، وهو نكرة، والآخر أن يكون أجرى في إعرابه، وهو نكرة على إعراب الأوّل كالنعت له، لوقوعه بينه وبين قوله: { ذِي الطَّوْلِ } وهو معرفة. وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأوّل، إذا كان مدحاً، وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحياناً، ويعدل به عن إعراب الأوّل أحياناً بالنصب والرفع كما قال الشاعر:

السابقالتالي
2