Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }

يعني جلّ ثناؤه بقوله: { فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ }: فما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فئتين مختلفتين، { وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } يعني بذلك: والله ردّهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم. والإركاس: الردّ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
فأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ إنَّهُمُ   كانُوا عُصَاةً وقالوا الإفْكَ وَالزُّورَا
يقال منه: أركسهم وركسهم. وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله وأبيّ: «والله ركسهم» بغير ألف. واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام ولأصحابه:لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } [آل عمران: 167]. ذكر من قال ذلك: حدثني الفضل بن زياد الواسطي، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاريّ يحدّث عن زيد بن ثابت: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أُحد، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا. فنزلت هذه الآية: { فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ }... الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة: " أنَّها طَيِّبَةٌ وإنَّها تَنْفِي خَبَثَها كمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضّةِ " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. حدثني زريق بن السخت، قال: ثنا شبابة، عن عديّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت، قال: ذكروا المنافقين عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال فريق: نقتلهم، وقال فريق: لا نقتلهم فأنزل الله تبارك وتعالى: { فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ }... إلى آخر الآية. وقال آخرون: بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ } قال: قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدّوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها.

السابقالتالي
2 3 4 5