Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } * { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ }

يقول تعالـى ذكره: { تَنْزِيـلُ الكِتابِ } الذي نزّلناه علـيك يا مـحمد { مِنَ اللّهِ العَزِيزِ } فـي انتقامه من أعدائه { الـحَكِيـمِ } فـي تدبـيره خـلقه، لا من غيره، فلا تكوننّ فـي شكّ من ذلك ورفع قوله: { تَنْزِيـلُ } بقوله: { مِنَ اللّهِ }. وتأويـل الكلام: من الله العزيز الـحكيـم تنزيـل الكتاب. وجائز رفعه بإضمار هذا، كما قـيـل: { سُورَةٌ أنْزَلْناها } غير أن الرفع فـي قوله: { تَنْزِيـلُ الكِتابِ } بـما بعده، أحسن من رفع سورة بـما بعدها، لأن تنزيـل، وإن كان فعلاً، فإنه إلـى الـمعرفة أقرب، إذ كان مضافـاً إلـى معرفة، فحسن رفعه بـما بعده، ولـيس ذلك بـالـحسن فـي «سُورَةٌ»، لأنه نكرة. وقوله: { إنَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ } يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: إنا أنزلنا إلـيك يا مـحمد الكتاب، يعنـي بـالكتاب: القرآن { بـالـحقّ } يعنـي بـالعدل يقول: أنزلنا إلـيك هذا القرآن يأمر بـالـحقّ والعدل، ومن ذلك الـحقّ والعدل أن تعبد الله مخـلِصاً له الدين، لأن الدين له لا للأوثان التـي لا تـملك ضرّاً ولا نفعاً. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: { الكِتابَ } قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ } يعنـي: القرآن. وقوله: { فـاعْبُدِ اللّهِ مُخْـلِصاً لَهُ الدّينَ } يقول تعالـى ذكره: فـاخشع لله يا مـحمد بـالطاعة، وأخـلص له الألوهة، وأفرده بـالعبـادة، ولا تـجعل له فـي عبـادتك إياه شريكاً، كما فَعَلَتْ عَبَدة الأوثان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: يؤتـي بـالرجل يوم القـيامة للـحساب وفـي صحيفته أمثال الـجبـال من الـحسنات، فـيقول ربّ العزّة جلّ وعزّ: صَلَّـيت يوم كذا وكذا، لـيقال: صلَّـى فلان أنا الله لا إله إلا أنا، لـي الدين الـخالص. صمتَ يوم كذا وكذا، لـيقال: صام فلان أنا الله لا آله إلا أنا لـي الدين الـخالص، تصدّقت يوم كذا وكذا، لـيقال: تصدّق فلان أنا الله لا إله إلا أنا لـي الدين الـخالص فما يزال يـمـحو شيئاً بعد شيء حتـى تبقـى صحيفته ما فـيها شيء، فـيقول ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنت تعمل. حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، أما قوله: { مُخْـلِصاً لَهُ الدِّينَ } فـالتوحيد، والدين منصوب بوقوع مخـلصاً علـيه. وقوله:ألا لِلّهِ الدِّينُ الـخالِصُ } يقول تعالـى ذكره: ألا لله العبـادة والطاعة وحده لا شريك له، خالصة لا شرك لأحد معه فـيها، فلا ينبغي ذلك لأحد، لأن كل ما دونه ملكه، وعلـى الـمـملوك طاعة مالكه لا من لا يـملك منه شيئاً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

السابقالتالي
2