Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }

يقول تعالـى ذكره: وقال هؤلاء الـمشركون حين عاينوا عذاب الله آمنا به، يعنـي: آمنا بـالله وبكتابه ورسوله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { وَقالُوا آمَنَّا بِهِ } قالوا: آمنا بـالله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { قالُوا آمَنَّا بِهِ } عند ذلك، يعنـي: حين عاينوا عذاب الله. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَقالُوا آمَنَّا بِهِ } بعد القتل وقوله { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } يقول: ومن أيّ وجه لهم التناوش. واختلفت قرّاء الأمصار فـي ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة { التَّناوُشُ } بغير همز، بـمعنى: التناول وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة: «التَّناؤُشُ» بـالهمز، بـمعنى: التنؤُّش، وهو الإبطاء، يقال منه: تناءشت الشيء: أخذته من بعيد، ونشته: أخذته من قريب ومن التنؤُّش قول الشاعر:
تَـمَنَّى نَئِيشاً أنْ يكُونَ أطاعَنِـي   وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأمُورِ أمُورُ
ومن النَّوْش قول الراجز:
فَهْيَ تَنُوشُ الـحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلا   نَوْشاً بِهِ تَقْطَعُ أجْوَازَ الفَلا
ويقال للقوم فـي الـحرب، إذا دنا بعضهم إلـى بعض بـالرماح ولـم يتلاقوا: قد تناوش القوم. والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنا بـالله، فـي حين لا ينفعهم قـيـل ذلك، فقال الله { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } أي وأين لهم التوبة والرجعة: أي قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها وإنـما وصفت ذلك الـموضع بـالبعيد، لأنهم قالوا ذلك فـي القـيامة، فقال الله: أنـي لهم بـالتوبة الـمقبولة، والتوبة الـمقبولة إنـما كانت فـي الدنـيا، وقد ذهبت الدنـيا فصارت بعيداً من الآخرة، فبأية القراءتـين اللتـين ذكرت قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك. وقد يجوز أن يكون الذين قرؤوا ذلك بـالهمز همزوا، وهم يريدون معنى من لـم يهمز، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها، كما قـيـل:وَإذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ } فجعلت الواو من وُقتت، إذا كانت مضمومة همزوه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، قال: قلت لابن عبـاس: أرأيت قول الله: { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } قال: يسألون الردّ، ولـيس بحين ردّ. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس نـحوه. حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } يقول: فكيف لهم بـالردّ.

السابقالتالي
2