Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: { لَيْسُواْ سَوَاء } لـيس فريقا أهل الكتاب، أهل الإيـمان منهم والكفر سواء، يعنـي بذلك: أنهم غير متساوين، يقول: لـيسوا متعادلـين، ولكنهم متفـاوتون فـي الصلاح والفساد والـخير والشرّ. وإنـما قـيـل: لـيسوا سواء، لأن فـيه ذكر الفريقـين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله فـي قوله:وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } [آل عمران: 110] ثم أخبر جلّ ثناؤه عن حال الفريقـين عنده، الـمؤمنة منهما والكافرة، فقال: { لَيْسُواْ سَوَاء }: أي لـيس هؤلاء سواء، الـمؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الـخبر جلّ ثناؤه عن صفة الفرقة الـمؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم، وأثنى علـيهم بعد ما وصف الفرقة الفـاسقة منهم بـما وصفها به من الهلع ونَـخْب الـجَنان، ومـحالفة الذلّ والصغار، وملازمة الفـاقة والـمسكنة، وتـحمل خزي الدنـيا وفضيحة الآخرة، فقال: { مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }... الآيات الثلاث، إلـى قوله:وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } [آل عمران: 115] فقوله: «أمة قائمة» مرفوعة بقوله: «من أهل الكتاب». وقد توهم جماعة من نـحويـي الكوفة والبصرة والـمقدّمين منهم فـي صناعتهم، أن ما بعد سواء فـي هذا الـموضع من قوله: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } ترجمة عن سواء، وتفسير عنه بـمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء اللـيـل، وأخرى كافرة، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفـاء بذكر إحدى الفرقتـين، وهي الأمة القائمة، ومثّلوه بقول أبـي ذؤيب:
عَصَيْتُ إلَـيْها القَلْبَ إنـي لأمْرِها   سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
ولـم يقل: «أم غير رشد» اكتفـاء بقوله: «أرشد» من ذكر «أم غير رشد». وبقول الآخر:
أزَالُ فلا أدْري أهَمٌّ هَمَـمْتَهُ   وذو الهَمّ قِدْماً خاشِعٌ مُتَضَائِلُ
وهو مع ذلك عندهم خطأ قول القائل الـمريد أن يقول: سواء أقمت أم قعدت، سواء أقمت حتـى يقول أم قعدت، وإنـما يجيزون حذف الثانـي فـيـما كان من الكلام مكتفـياً بواحد دون ما كان ناقصاً عن ذلك، وذلك نـحو ما أبـالـي أو ما أدري، فأجازوا فـي ذلك ما أبـالـي أقمت، وهم يريدون: ما أبـالـي أقمت أم قعدت، لاكتفـاء ما أبـالـي بواحد، وكذلك فـي ما أدري، وأبوا الإجازة فـي سواء من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا فـي توجيههم قوله: { لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } علـى ما حكينا عنهم إلـى ما وجهوه إلـيه مذاهبهم فـي العربـية، إذ أجازوا فـيه من الـحذف ما هو غير جائز عندهم فـي الكلام مع سواء، وأخطأوا تأويـل الآية، فسواء فـي هذا الـموضع بـمعنى التـمام والاكتفـاء، لا بـالـمعنى الذي تأوله من حكينا قوله. وقد ذكر أن قوله: { مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }.

السابقالتالي
2 3 4 5