Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } * { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ }

يقول تعالـى ذكره: يجادل هذا الذي يجادل فـي الله بغير علـم { ثانِـيَ عِطْفِهِ }. واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي من أجله وصف بأنه يثنـي عطفه وما الـمراد من وصفه إياه بذلك، فقال بعضهم: وصفه بذلك لتكبره وتبختره. وذكر عن العرب أنها تقول: جاءنـي فلان ثانـي عطفه: إذا جاء متبخترا من الكبر ذكر من قال ذلك: حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { ثانِـيَ عِطْفِهِ } يقول: مستكبراً فـي نفسه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لاوٍ رقبته. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { ثانِـي عِطْفِهِ } قال: رقبته. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله. حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: { ثانِـيَ عِطْفِهِ } قال: لاوٍ عنقه. حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، مثله. وقال آخرون: معنى ذلك أنه يُعْرِضُ عما يُدْعَى إلـيه فلا يسمع له. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: ثانِـيَ عِطْفِهِ يقول: يعرض عن ذكري. حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { ثانِـيَ عِطْفِهِ عَنْ سَبِـيـلِ الله } قال: لاوياً رأسه، معرضاً مولـياً، لا يريد أن يسمع ما قـيـل له. وقرأ:وَإذَا قِـيـلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ورأيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِ آياتُنا وَلَّـى مُسْتَكْبِراً } حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: { ثانِـيَ عِطْفِهِ } قال: يعرض عن الـحقّ. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال الثلاثة متقاربـات الـمعنى وذلك أن من كان ذا استكبـار فمن شأنه الإعراضُ عما هو مستكبر عنه ولَـيُّ عنقه عنه والإعراض. والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله وصف هذا الـمخاصم فـي الله بغير علـم أنه من كبره إذا دُعي إلـى الله أعرض عن داعيه لوى عنقه عنه ولـم يسمع ما يقال له استكبـاراً. وقوله: { لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } يقول تعالـى ذكره: يجادل هذا الـمشرك فـي الله بغير علـم معرضاً عن الـحقّ استكبـاراً، لـيصدّ الـمؤمنـين بـالله عن دينهم الذي هداهم له ويستزلهم عنه. { لَهُ فِـي الدُّنْـيا خِزْيٌ } يقول جلّ ثناؤه: لهذا الـمـجادل فـي الله بغير علـم فـي الدنـيا خزي وهو القتل والذلّ والـمهانة بأيدي الـمؤمنـين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر.

السابقالتالي
2