Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ }

وهذا نعت من الله تبـارك وتعالـى للـمنافقـين، يقول جل ثناؤه: ومن الناس من يعجبك يا مـحمد ظاهر قوله وعلانـيته، ويستشهد الله علـى ما فـي قلبه، وهو ألدّ الـخصام، جَدِلٌ بـالبـاطل. ثم اختلف أهل التأويـل فـيـمن نزلت فـيه هذه الآية، قال بعضهم: نزلت فـي الأخنس بن شريق، قدم علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعم أنه يريد الإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، ثم خرج فأفسد أموالاً من أموال الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك: حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي { وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِـي الـحيَاة الدُّنـيا ويُشْهِدُ اللَّهَ علـى ما فِـي قَلْبِهِ وَهُوَ ألَدُّ الـخِصامُ } قال: نزلت فـي الأخنس بن شريق الثقـفـي، وهو حلـيف لبنـي زهرة. وأقبل إلـى النبـي صلى الله عليه وسلم بـالـمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجب النبـي صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنـما جئت أريد الإسلام، والله يعلـم أنـي صادق. وذلك قوله: { وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَـى ما فِـي قَلْبه } ثم خرج من عند النبـي صلى الله عليه وسلم، فمرّ بزرع لقوم من الـمسلـمين وحمر، فأحرق الزرع، وعقر الـحمرُ، فأنزل الله عز وجل:وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ } [البقرة: 205]. وأما ألدّ الـخصام: فأعوج الـخصام، وفـيه نزلت:ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [الهمزة: 1] ونزلت فـيه:وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } [القلم: 10] إلـىعُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } [القلم: 13]. وقال آخرون: بل نزل ذلك فـي قوم من أهل النفـاق تكلـموا فـي السرية التـي أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بـالرَّجيع. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما أصيبت هذه السرية أصحاب خبـيب بـالرجيع بـين مكة والـمدينة، فقال رجال من الـمنافقـين: يا ويح هؤلاء الـمقتولـين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا فـي بـيوتهم، ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم فأنزل الله عز وجل فـي ذلك من قول الـمنافقـين، وما أصاب أولئك النفر فـي الشهادة والـخير من الله: { وَمِن النَّاسِ مَنْ يَعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِـي الـحيَاة الدُّنـيا } أي ما يظهر بلسانه من الإسلام { وَيُشُهِدُ اللَّهَ علـى ما فِـي قَلْبِهِ } أي من النفـاق { وَهُوَ ألدُّ الِـخصَامِ } أي ذو جدال إذا كلـمك وراجعك، " وإذَا تَوَلَّـى " أي خرج من عندك " سَعَى فِـي الأرْض لَـيُفْسدَ فـيها ويُهلِك الـحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ " أي لا يحبّ عمله ولا يرضاه،

السابقالتالي
2 3 4