Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }

يقول تعالـى ذكره: أفـالربّ الذي هو دائم لا يبـيد ولا يهلك قائم بحفظ أرزاق جميع الـخـلق، متضمن لها، عالـم بهم وبـما يكسبونه من الأعمال، رقـيبٌ علـيهم، لا يعزُب عنه شيء أينـما كانوا كمن هو هالك بـائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئاً، ولا يَدْفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرّاً، ولا يجلب إلـيهما نفعاً؟ كلاهما سواء. وحُذِف الـجواب فـي ذلك فلـم يَقُل وقد قـيـل { أفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ } ككذا وكذا، اكتفـاء بعلـم السامع بـما ذُكِر عما تُرِك ذكره. وذلك أنه لـمَّا قال جلّ ثناؤه: { وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ } عُلـم أن معنى الكلام كشركائهم التـي اتـخذوها آلهة، كما قال الشاعر:
تَـخَيِّرِي خُيّرْتِ أُمَّ عالِ   بـينَ قَصِيرٍ شَبْرُهُ تِنْبـالِ
أذَاكِ أمْ مُنْـخَرِقُ السِّرْبَـالِ   وَلا يَزالُ آخِرَ اللَّـيالـي
مُتْلِفَ مالٍ ومُفِـيدَ مالِ   
ولـم يقل: وقد قال: «شَبْرُه تنبـال»، وبـين كذا وكذا، اكتفـاء منه بقول: أَذَاكَ أمْ مُنْـخَرِق السِّرْبـالِ، ودلالة الـخبر عن الـمنـخرق السربـال علـى مراده فـي ذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ } ذلكم ربكم تبـارك وتعالـى، قائم علـى بنـي آدم بأرزاقهم وآجالهم، وحفظ علـيهم والله أعمالهم. حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ }. حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ } يعنـي بذلك نفسه، يقول: هو معكم أينـما كنتـم، فلا يعمل عامل إلا وهو حاضر. ويقال: هم الـملائكة الذين وكلوا ببنـي آدم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلِّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبْتْ } علـى رزقهم وعلـى طعامهم، فأنا علـى ذلك قائم وهم عبـيدي ثم جعلوا لـي شركاء. حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ } فهو الله قائم علـى كل نفس بَرّ وفـاجر، يرزقهم ويكلؤهم، ثم يُشرك به منهم من أشرك. وقوله: { وَجَعَلَوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِـمَا لا يَعْلَـمُ فِـي الأرْضِ أمْ بظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ } يقول تعالـى ذكره: أنا القائم بأرزاق هؤلاء الـمشركين، والـمدبر أمورهم، والـحافظ علـيهم أعمالهم، وجعلوا لـي شركاء من خـلقـي يعبدونها دونـي، قل لهم يا مـحمد: سَمُّوا هؤلاء الذين أشركتـموهم فـي عبـادة الله، فإنهم إن قالوا آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الواحد القهَّار لا شريك له.

السابقالتالي
2 3