Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى

{ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } * { ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } * { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } * { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ } * { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ }

قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما وصف كل الكفار بقولهوَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ } أفرد بعضهم بمزية فى الشر والعناد فقال { إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ } أى فى حكمه وعلمه من حصلت له صفتان الأولى الكافر الذى يكون مستمراً على كفره مصرا عليه.. الثانية أن يكون ناقضا للعهد على الدوام.. قال ابن عباس هم بنو قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعانوا عليه المشركين بالسلاح فى يوم بدر، ثم قالوا أخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق.. والدواب جمع دابة. وهى كل ما يدب على الأرض قال - تعالى -وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ.. } قال الجمل وإطلاق الدابة على الإِنسان إطلاق حقيقى، لما ذكروه فى كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفى الصباح " الداية كل حيوان فى الأرض مميزاً وغير مميز ". والمعنى إن شر، ما يدب على الأرض { عِندَ ٱللَّهِ } أى فى حكمه وقضائه { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أى الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه. وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم شر الدواب لا شر الناس، للإِشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى به الناس من تعقل وتدبر للأمور، لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التى لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء، وفى وصفه - سبحانه - لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم، لأنهم ليسوا دوابا فحسب بل هم شرها وأخسها. وقوله { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تذييل جئ به على وجه الاعتراض بالبيان أى أنهم - بسبب إصرارهم على الكفر - صار الإِيمان بعيدا عنهم، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون فى الضلال والعناد. وقوله { ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ... } بدل من الموصول الأول وهو قوله { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... } أو عطف بيان له. أى إن شر الدواب عند الله الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه، الذين { عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ } أى أخذت منهم عهدهم، ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة. فقوله { عَاهَدْتَّ } مضمن معنى الأخذ، ولذا عدى بمن. قال الآلوسى قوله { ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ.. } بدل من الموصول الأول، أو عطف بيان، أو نعت، أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على الذم، وعائد الموصل قيل ضمير الجمع المجرور، والمراد عاهدتم، و { مِن } للإِيذان بأن المعاهدة - التى هى عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين - معتبرة هنا من حيث أخذه - صلى الله عليه وسلم -، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض، لا إعطاؤه - عليه الصلاة والسلام إياهم عهده كأنه قيل الذين أخذت منهم عهدهم، وقال أبو حيان تبعيضية، لأن المباشر لا كلهم.

2 3 4 5