Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق

{ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ } * { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } * { وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ } * { قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ } * { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } * { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ } * { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ } * { كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ }

وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم: " إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا " وقال ٱبن عباس: رؤيا الأنبياء وَحْيٌ وٱستدل بهذه الآية. وقال السّدي: لما بُشِّر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد قال هو إذاً لله ذبيح. فقيل له في منامه: قد نذرت نذراً فَفِ بنذرك. ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن قائلاً يقول: إن اللّه يأمرك بذبح ٱبنك فلما أصبح رَوَّى في نفسه أي فَكَّر أهذا الحُلْم من اللّه أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التَّرْوية. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضاً وقيل له الوعد، فلما أصبح عرف أن ذلك من اللّه فَسُمِّيَ يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فَهمَّ بنحره فسُمِّي يوم النَّحْر. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: اللّه أكبر اللّه أكبر. فقال الذبيح: لا إلٰه إلا اللّه واللّه أكبر. فقال إبراهيم: اللّه أكبر والحمد للّه فبقي سُنة. وقد ٱختلف الناس في وقوع هذا الأَمر وهي: الثالثة ـ فقال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع، وإنما وقع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح، ولو وقع لم يُتصوَّر رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل لأنه لو حصل الفراغ من ٱمتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفِداء. وقوله تعالى: { قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ }: أي حققت ما نبهناك عليه، وفعلت ما أمكنك ثم ٱمتنعت لما منعناك. هذا أصح ما قيل به في هذا الباب. وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه لأن معنى ذبحت الشيء قطعته. وٱستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر إليّ فترحمني، ولكن ٱجعل وجهي إلى الأرض فأخذ إبراهيم السكين فأمَرَّها على حلقه فانقلبت. فقال له مالَكَ؟ قال: ٱنقلبت السكين. قال ٱطعنّي بها طعناً. وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءاً التأم. وقالت طائفة: وجد حَلقه نحاساً أو مغشًّى بنحاس، وكان كلما أراد قطعاً وجد منعاً. وهذا كله جائز في القدرة الإلّهية، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمْر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر. ولو كان قد جرى ذلك لبيَّنه اللّه تعالى تعظيماً لرتبة إسماعيل وإبراهيم صلوات اللّه عليهما، وكان أولى بالبيان من الفِداء. وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أُمر بالذبح الحقيقي الذي هو فَرْي الأوداج وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له: «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» وهذا كله خارج عن المفهوم. ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم. وأيضاً لو صحت هذه الأشياء لما ٱحتيج إلى الفداء.

1 2 4 5 6 7 8 9 10  مزيد