Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق

{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }

أما المأخذ الأوّل فيكفيك أن هذا حديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقةٌ؛ وإنما أولِع به وبمثله المفسِّرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره؛ إلا ما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، الشك في الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان بمكة... وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فقد بيّن لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبّه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه، الذي لا يُوثق به ولا حقيقةَ معه. وأما حديث الكلبيّ فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذِكره لقوّة ضعفه وكذبه؛ كما أشار إليه البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ «والنجم» بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس؛ هذا توهينه من طريق النقل.

وأما المأخذ الثاني فهو مبنيّ على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة؛ منها الغَثّ والسَّمين. والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربّه يرتّل القرآن ترتيلاً، ويفصّل الآي تفصيلاً في قراءته؛ كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبيّ صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار. فظنّوها من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم وأشاعوها. ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققِهم من حال النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعَيْبها ما عُرف منه؛ فيكون ما روي من حزن النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة، وقد قال الله تعالى:وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ } [الحج: 52] الآية.

قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا. وقد قال سليمان بن حرب: إن «في» بمعنى عند؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كقوله عز وجل:وَلَبِثْتَ فِينَا } [الشعراء: 18] أي عندنا.

1 2 4 5 6