Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ }

يقول الحقّ جلّ جلاله: { و } اذكر { إذ قال موسى لقومه }: يا بني إسرائيل { اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء } يسُوسُونكم، كلما مات نبي خلفه نبي، فقد شرفكم بهم دون غيركم، إذ لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، { وجعلكم ملوكًا } أي: جعل منكم ملوكًا، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء، فكان كل نبي معه ملك ينفذ أحكامه، فكانت دار النبوة ودار المملكة معلومة، يخلف بعضهم بعضًا في النبوة والمُلك، استمر ذلك لهم، حتى قتلوا يحيى، وهموا بقتل عيسى، فنزع الله منهم الملك، وأنزل عليهم الذل والهوان. وقيل: لمّا كانوا مملوكين في أيدي القبط، فأنقذهم الله وجعلهم مالكين لأنفسهم، سماهم ملوكًا. { وآتاكم ما لم يُؤت أحدًا من العالمين } من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونحوها، أو المراد عالمي زمانهم، وعن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كَانَ بنو إسرَائيل إذا كَانَ لأحَدِهم خَادِمٌ وامرَأة يُكتَب مَلِكًا " وقال ابن عباس: من كان له بيت وخادم وامراة فهو مَلِك، وعن أبي الدرداء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " مَن أصبَحَ مُعَافّى في بَدَنِه، آمنًا في سِربِه، عِندَه قُوتُ يَومِه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها، يكفيكَ منها، يا ابنَ آدم، ما سَدَّ جوعَتَكَ، وَوَارَ عَورَتك، فإن كان بيتٌ يُوارِيك فذاك، وإن كانت دابة فبخ بخ، فلق الخبز، وماء الجر وما فَوق الإزار حِسَابٌ عليك ". وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جارٍ، فهو ملك. وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم. هـ. الإشارة: كل من رزقه الله من يأخذ بيده ومن يستعين به على ذكر ربه، فليذكر نعمة الله عليه، فقد أسبغ الله عليه نعمه ظاهرة وباطنة. وكل من ملك نفسه وهواه، وأغناه الله عما سواه، فهو ملك من الملوك. وكل من خرجت فكرته عن دائرة الأكوان، واتصل بفضاء الشهود والعيان، فقد آتاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين. وقد كُنتُ ذات يوم جالسًا في الجامع الأعظم من مدينة تطوان، فانتبهتُ فإذا مصحف إلى جنبي، فقال لي الهاتف: انظر تجد مقامك، فأعرضت عنه، فأعاد عليَّ الهاتف ثلاث مرات، فرفعته، ونظرت، فإذا في أول الورقة: { وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين } ، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه. ثم أمرهم بجهاد عدوهم، فقال: { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ }.