Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: { وَلاَ تَلْبِسُواْ }: لا تـخـلطوا، واللبس: هو الـخـلط، يقال منه: لبست علـيهم الأمر ألْبِسُه لبساً: إذا خـلطته علـيهم. كما: حدثت عن الـمنـجاب، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله:وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [الأنعام: 9] يقول: لـخـلطنا علـيهم ما يخـلطون. ومنه قول العجاج:
لَـمّا لَبِسْنَ الـحَقَّ بـالتَّـجَنِّـي   غَنِـينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْداً مِنِّـي
يعنـي بقوله: لبسن: خـلطن. وأما اللُّبْس فإنه يقال منه: لبِسْته ألبَسُه لُبْساً ومَلْبَساً، وذلك فـي الكسوة يكتسيها فـيـلبسها. ومن اللُّبْس قول الأخطل:
لقَدْ لبِسْتُ لِهَذا الدهْرِ أعْصُرَهُ   حَتّـى تَـجَلّلَ رأسِي الشَّيْبُ وَاشْتَعَلاَ
ومن اللبس قول الله جل ثناؤه:وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [الأنعام: 9] إن قال لنا قائل: وكيف كانوا يـلبسون الـحق بـالبـاطل وهم كفـار، وأيّ حقّ كانوا علـيه مع كفرهم بـالله؟ قـيـل: إنه كان فـيهم منافقون منهم يظهرون التصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم ويستبطنون الكفر به، وكان أعُظْمُهم يقولون: مـحمد نبـي مبعوث إلا أنه مبعوث إلـى غيرنا. فكان لَبْسُ الـمنافق منهم الـحقّ بـالبـاطل إظهاره الـحق بلسانه وإقراره لـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به جهارا، وخـلطه ذلك الظاهر من الـحقّ بـالبـاطل الذي يستبطنه. وكان لَبْسُ الـمقرّ منهم بأنه مبعوث إلـى غيرهم الـجاحد أنه مبعوث إلـيهم إقراره بأنه مبعوث إلـى غيرهم وهو الـحقّ، وجحوده أنه مبعوث إلـيهم وهو البـاطل، وقد بعثه الله إلـى الـخـلق كافة. فذلك خـلطهم الـحق بـالبـاطل ولبسهم إياه به. كما: حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روح، عن الضحاك، عن ابن عبـاس قوله: { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ } قال: لا تـخـلطوا الصدق بـالكذب. وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ } يقول: لا تـخـلطوا الـحقّ بـالبـاطل، وأدوا النصيحة لعبـاد الله فـي أمر مـحمد علـيه الصلاة والسلام. وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ } الـيهودية والنصرانـية بـالإسلام. وحدثنـي يونس ابن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ } قال: الـحقّ: التوراة الذي أنزل الله علـى موسى، والبـاطل: الذي كتبوه بأيديهم. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }. قال أبو جعفر: وفـي قوله: { وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } وجهان من التأويـل: أحدهما أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتـموا الـحقّ كما نهاهم أن يـلبسوا الـحقّ بـالبـاطل. فـيكون تأويـل ذلك حينئذٍ: ولا تلبسوا الـحقّ بـالبـاطل، ولا تكتـموا الـحقّ. ويكون قوله: { وَتَكْتُمُواْ } عند ذلك مـجزوما بـما جزم به «تلبسوا» عطفـا علـيه.

2 3