* تفسير الميزان في تفسير القرآن/ الطبطبائي (ت 1401 هـ) مصنف و مدقق

{ بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ } * { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } * { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }

(بيـان)

قوله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم } الناس ربما يعملون عملاً أو يبتدؤون في عمل ويقرنونه باسم عزيز من أعزتهم أو كبير من كبرائهم، ليكون عملهم ذاك مباركاً بذلك متشرفاً، أو ليكون ذكرى يذكرهم به، ومثل ذلك موجود أيضاً في باب التسمية، فربما يسمون المولود الجديد من الإِنسان، أو شيئاً مما صنعوه أو عملوه كدار بنوها أو مؤسسة أسسوها باسم من يحبونه أو يعظمونه، ليبقى الاسم ببقاء المسمى الجديد، ويبقى المسمى الأول نوع بقاء ببقاء الاسم كمن يسمي ولده باسم والده ليحيي بذلك ذكره فلا يزول ولا ينسى.

وقد جرى كلامه تعالى هذا المجرى، فابتدأ الكلام باسمه عز إسمه، ليكون ما، يتضمنه من المعنى معلماً باسمه مرتبطاً به، وليكون أدباً يؤدب به العباد في الأعمال والأفعال والأقوال، فيبتدؤوا باسمه ويعملوا به، فيكون ما يعملونه معلماً باسمه منعوتاً بنعته تعالى مقصوداً لأجله سبحانه فلا يكون العمل هالكاً باطلاً مبتراً، لأنه باسم الله الذي لا سبيل للهلاك والبطلان إليه.

وذلك أن الله سبحانه يبيّن في مواضع من كلامه: أن ما ليس لوجهه الكريم هالك باطل، وأنه: سيقدم إلى كل عمل عملوه مما ليس لوجهه الكريم، فيجعله هباءً منثوراً، ويحبط ما صنعوا ويبطل ما كانوا يعملون، وانه لا بقاء لشيء إلاَّ وجهه الكريم فما عمل لوجهه الكريم وصنع باسمه هو الذي يبقى ولا يفنى، وكل أمر من الأمور إنما نصيبه من البقاء بقدر ما لله فيه نصيب، وهذا هو الذي يفيده ما رواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر الحديث " والأبتر هو المنقطع الآخر، فالأنسب أن متعلق الباء في البسملة ابتدئ بالمعنى الذي ذكرناه فقد ابتدأ بها الكلام بما أنه فعل من الأفعال، فلا محالة له وحدة، ووحدة الكلام بوحدة مدلوله ومعناه، فلا محالة له معنى ذا وحدة، وهو المعنى المقصود إفهامه من إلقاء الكلام، والغرض المحصّل منه.

وقد ذكر الله سبحانه الغرض المحصل من كلامه الذي هو جملة القرآن إذ قال تعالى:
قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله }
[المائدة: 15-16] الآية. إلى غير ذلك من الآيات التي أفاد فيها: أن الغاية من كتابه وكلامه هداية العباد، فالهداية جملة هي المبتدئة باسم الله الرَّحمن الرَّحيم، فهو الله الذي إليه مرجع العباد، وهو الرَّحمن يبيَّن لعباده سبيل رحمته العامة للمؤمن والكافر، مما فيه خيرهم في وجودهم وحياتهم، وهو الرحيم يبيّن لهم سبيل رحمته الخاصة بالمؤمنين وهو سعادة آخرتهم ولقاء ربهم وقد قال تعالى:

2 3 4 5 6 7 8 9 10