* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق

{ بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ }

الاعراب ـ اجمع القراء على ضم الدال من الحمد وكسر اللام الاولى من لله وكان يجوز أن يفتح الدال مع كسر اللام ويكسر الدال واللام لكن لم يقرأ به إلا أهل البوادي. ومن نصب فعلى المصدر. ومن كسرهما اتبع كسرة الدال كسرة اللام ومن ضمهما اتبع ضم الدال بضمة اللام.

ونصب الدال لغة في قريش والحارث بن اسامة بن لؤي. وكسرها لغة في تمميم وغطفان. وضمها لغة في ربيعة توهموا انه حرف واحد مثل الحلم. وقوله: لله مخفوض بالاضافة ورب العالمين مخفوض لانه نعت ويجوز نصبه على الحال والنداء وما قرىء به. والعالمين مخفوض بالاضافة ونونها مفتوحة لانها نون الجمع فرقاً بينها وبين نون التثنية. وبعض قيس يحذف الالف التي قبل الهاء ويخلس الهاء ويشددها ويقصرها. انشد بعضهم:
ألا لا بارك الله في سهيل   اذا ما بارك الله في الرجال
اختلس الاولى واشبع الثانية. ولا يقرأ بهذا.

ومعنى الحمد لله الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد بما أنعم على عباده من ضروب النعم الدينية والدنياوية وقال بعضهم: الحمد لله ثناء عليه باسمائه وصفاته وقوله الشكر لله ثناء على نعمه وأياديه؛ والأول أصح في اللغة، لأن الحمد والشكر يوضع كل واحد منهما موضع صاحبه. ويقال أيضاً: الحمد الله شكراً فنصب شكراً على المصدر، ولو لم يكن في معناه لما نصبه، ودخول الألف واللام فيه لفائدة الاستيعاب، فكانه قال جميع الحمد لله، لأن التالي مخبر بذلك، ولو نصبه فقال حمداً لله أفاد أن القائل هو الحامد فحسب وليس ذلك المراد، ولذلك اجتمعت القراء على ضم الدال على ما بيناه، والتقدير: قوله الحمد لله. واذا كان الحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة على ضرب من التعظيم فالمدح ليس من الشكر في شيء وانما هو القول المنبىء عن عظم حال الممدوح مع القصد اليه.

وأما الرب فله معان في اللغة: فيسمى السيد المطاع رباً، قال لبيد بن ربيعة:
فاهلكن يوماً رب كندة وابنه   ورب معد بين خبت وعرعر
يعني سيد كندة. ومنه قوله تعالى: { أما أحدكما فيسقي ربه خمراً } يعني سيده ويسمى الرجل المصلح رباً. قال الفرزدق بن غالب:
كانوا كسالئة حمقاء اذ حقنت   سلائها في اديم غير مربوب
يعني غير مصلح ومنه قيل فلان رب ضيعة اذا كان يحاول اتمامها. والربانيون من هذا من حيث كانوا مدبرين لهم. واشتق رب من التربية يقال ربيته وربيته بمعنى واحد والربىّ الشاة ولدت حديثاً لأنها تربى. وقوله { رب العالمين } أي المالك لتدبيرهم. والمالك للشيء يسمى ربه ولا يطلق هذا الاسم إلا على الله، وأما في غيره فبقيد فيقال: رب الدار ورب الضيعة.

2