* تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن/ البقلي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى

{ بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ }

{ بِسْمِ } الباء كشف البقاءِ لأهل الفَنَاء والسين كشف سناء القدس لأهل الأنس والميم كشف الملكوت لأهل النعوت والباء بره للعموم والسين سره للخصوص والميم محبّته لخصوص الخصوص والباء بدو العبودية والسين سِرّ الربوبية والميم منه في أزليته على أهل الصفوة والباء من بِسمِ أي ببهائي بقاء ارواح العارفين في بحار العظمة والسين من بسم اي بسنائى سمت أسرار السابقين في هواء الهوية والميم من بسم اى بمجدى وَرَدَت المواجيد الى قلوب الواجدين من انوار المشاهدة وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم " إنَّ الباء بهاؤه والسين سناؤه والميم مجده " وقيل في بسم الله بالله ظهرت الأشياء وبه فنيت وبتجلّيه حُسنتِ المحاسنُ وباستناره فتحت المفاتح وحكى عن الجنيد انه قال ان اهل المعرفة نفوا عن قلوبهم كل شيء سوى الله فقال لهم قولوا بسم الله اى بى فتسمّوا ودعوا انتسابكم الى آدم وقيل ان بسم يبقى به كلُّ الخلق فلو افتتح كتابه باسمه لذاب تحته حقيقةُ الخلائق الا من كان محفوظاً من نبىّ او ولىٍّ وروى علىّ بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر بن محمد قال بسم الباء بقاؤه والسين أسماؤه والميم ملكه فايمان المؤمن ذكره ببقائه وخدمةُ المريد ذكره باسمائه والعارف فناؤه عن المملكة بالمالك لها واما { ٱلله } فانه اسم الجمع لا ينكشف الا لاهل الجمع وكلُّ اسم يتعلق بصفة من صفاته الا الله فانه يتعلق بذاته وجميع صفاته لاجل ذلك وهو اسم الجمع اخبر الحق عن نفسه باسمه الله فما يعرفه الا هو ولا يسمعه الا هو ولا يتكلّم به الا هو لان الالف اشارة الى الانانيّة والوحدانيّة ولا سبيل للخلق الى معرفتها الا الحق تعالى وفي اسمه الله لامان الاول اشارة الى الجمال والثاني اشارة الى الجلال والصفتان لا يعرفها الا صاحب الصفات والهاؤ اشارةٌ الى هويته وهويته لا يعرفها الا هو والخلق معزولون عن حقائقه فيحتجبون بحروفه عن مَعْرفَته بالالف تجلى الحقُّ من انانيته لقلوب الموحدين فتوحدوا به وباللام الاول تجلّى الحق من ازليته لارواح العارفين فانفرد بانفراده وباللام الثاني تجلّى الحق من جمال مشاهدته لاسرار المحبّين فغابوا في بحار حبّه وبالهاء تجلى الحق من هويته لفؤاد المقربين فَتَاهُوا في بيداء التحير من سَطَوات عظمته قال الشبلى ما قال الله احد سوى الله فان كان من قاله بحظ وانّى يدرك الحقائق بالحظوظ وقال الشبلىُّ الله فقيل له لِمَ لا تقول لا اله الا الله فقال لا ابقى به ضدّا وقيل في قوله الله هو المانع الذى يمنع الوصول اليه كما امتنع هذا الاسم عن الوصول اليه حقيقة كان الذات اشد امتناعاً عجزهم في اظهار اسمه لهم ليعلموا بذلك عجزهم عن درك ذاته وقيل فى قوله ان الالف اشارة الى الوحدانية واللام الاولى اشارة الى محو الاشارات واللام الثاني اشارة الى محو المحوق كشف الهاء وقيل الاشارة فى الالف هو قيام الحق بنفسه وانفصاله عن جميع خلقه فلا اتصال له بشئ من خلقه كامتناع الالف ان يتصل بشئ من الحروف ابتداءً بل يتصل الحروف به على حد الاحتياج اليه واستغنائه عنهم وقيل ليس من اسماء الله اسمًّ يبقى على اسقاط كل حرف منه الا الله فانه الله فاذا اسْقطََت منه الالف يكون لله فاذا اسقطت احد لامَيْه يكون له فاذا اسقطت اللامين بقى الهاء وهو غايةُ الاشارة وقال بعضهم الباء باب خزانة الله والسين سين الرسالة والميم ملك الولاية وقال بعضهم بالله سلم قلوب اولياء الله من عذاب الله وبنقطته تطرقت اسرار اصفياء الله الى حضرته وبرحمته تفردَّت افئدة خواص عباده معه وقال بعضهم بالله تحيّرت قلوب العارفين فى علم ذات الله وبشفقته توصّلَتُ علوم العالمين الى صفات الله وبرحمته ادركت عقول المؤمنين شواهد ما اشهدهُم الله من بيان الله وقيل بإلهيته تفرَّدت قلوب عباد الله وبتعطُّفِه صفت ارواحُ محبيه وبرحمته ذكرت نفوس عابديه وقيل بسم الله ترياق اعطى المؤمنين يدفع الله به عنهم سم الدنيا وضَررهَا وقالَ جعفر الصادق بسم للعامة والله لخاص الخاص وقال سهل الله هو اسم الله الاعظم الذي حوى الاسماء والاسامى كلها وبين الالف واللام منه حرف مكنّى غيب من غيب الى غيبه وسرُّ من سرٍّ الى سِرّه حقيقةٌ من حقيقةٍ الى حقيقته لا ينال فهمه الا الطاهر من الادناس الاخذ من الحلال قواماً ضرورة الايمان وقيل من قال بالحروف فانه لم يقل الله لانه خارج عن الحروف والحسوس والاوهَام والافهام ولكن رضى منا بذلك لانه لا سبيل إلى توحيده من حيث لا حال ولا قال وحكى ان ابا الحسَنِ النوريَّ بقى في منزله سبعة ايّامٍ لم يأكل ولم يشرب ولم يَنَمُ ويقول فى وَلهة ودهشة الله الله وهو قائمٌ يَدُور فأخبر الجنيد قال انظروا محفوظ عليه اوقاته فقيل انه يصلّى الفرائض فقال الحمد لله الذى لم يجعل للشيطان له سبيلاً ثم قال قوموا حتى نزوره امّا ان نستفيد منه او نفيده فدخل عليه وهو في وَلَهه وقال يا ابا الحسن ما الذى ولهك قال ثم قول الله الله زيدوا عليّ فقال له الجنيد انظر هل قولك الله الله ام قولك ان كان كنت القائل الله الله فلست القائل له وان كنت تقول بنفسك فانت مع نفسك فما معنى الوله قال نِعمَ المؤدب كنت وسكن من ولَهه امّا قوله { الرَّحْمٰنِ } رحم على اوليائه بسم الرحمٰن بتعريف نفسه لهم حتّى عَرَفوا به أسماءه وصفاته وجلاله وجماله وبه خرجت جميع الكرامات للابدال والصديقين وبه تهيّات اسرار المقامات للاصفياء والمقربين وبه تجلت انوار المعارف للاتقياء والعارفين لان اسم الرحمٰن مخبرٌ عن خلق الخلق وكرمه على جميع الخلق وفى اسمه الرحمن ترويح ارواح الموحدين ومزيد افراح العارفين وتربية اشباح العالمين وفيه نزهة المحبّين وبَهْجة الشائقين وفرحة العاشقين وامان المذنبين ورجاء الخائفين وقال بعضهم اسمه الرحمن حلاوة المنّة ومشاهدة القرية ومحافظة الحرمة وقال ابن عطاء في اسمه الرحمن عونه ونصرته وقوله { الرَّحِيـمِ } موهبة الخاص لاهل الخاص هو مستند لذوي العثرات ومسرّة لاهل القربات والرّحمن مطيّة السالكين تسير بهم الى معدن العناية والرحيم حبل الحق المجذوبين تجذبهم به الى حِجَال الوصلة باسم الرحمن اَمَنهم من العقاب وباسمه الرّحيم اَتَاهُم من نفائس الثواب الاول مفتاح المكاشفة والاخر مرقاة المشاهدة باسمه الرحمن فتح لَهُمُ الغيوب وباسمه الرحيم غفر لهم الذنوب وقال ابن عطاء في اسمه الرحيم مودّة ومحبّة وعن جعفر بن محمد فى قوله { الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ } انه قال هو واقع على المريدين والمرادين فاسم الرحمن للمرادين لاستغراقهم فى انوار الحقائق والرحيم للمريدين لبقائهم مع انفسهم واشتغالهم بالظاهر.