* تفسير تفسير القرآن الكريم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق

{ أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } * { وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } * { وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } * { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }

" كل شيء خلق من ماء " وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد، حدثنا همام عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك، طابت نفسي، وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال " كل شيء خلق من ماء " قال قلت أنبئني عن أمر إذا عملت به، دخلت الجنة، قال " أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام " ورواه أيضاً عن عبد الصمد وعفان وبهز عن همام، تفرد به أحمد، وهذا إسناد على شرط الصحيحين، إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن، واسمه سليم، والترمذي يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً، والله أعلم. وقوله { وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } أي جبالاً أرسى الأرض بها، وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس، أي تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع فإنه باد للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات، والحكم والدلالات، ولهذا قال { أَن تَمِيدَ بِهِمْ } أي لئلا تميد بهم. وقوله { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً } أي، ثغراً في الجبال يسلكون فيها طريقاً، من قطر إلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلاً بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا، ولهذا قال { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ }. وقوله { وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً } أي على الأرض، وهي كالقبة عليها، كما قال
وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }
الذاريات 47 وقال
وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَـٰهَا }
الشمس 5
أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ }
ق 6 والبناء هو نصب القبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس " أي خمسة دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب { مَّحْفُوظاً } أي عالياً محروساً أن ينال. وقال مجاهد مرفوعاً. وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث، يعني ابن إسحاق القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال رجل يا رسول الله ما هذه السماء؟ قال " موج مكفوف عنكم " إسناده غريب. وقوله { وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ } كقوله
وَكَأَيِّن مِّن ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }
يوسف 105 أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم، والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكامله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها.

1 3