* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق

{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } * { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } * { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }

قوله تعالى: { وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } لما بيّن هذه الآيات قال: وفي السماء آيات وعِبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال، فعطف أمر السماء علىقصة قوم نوح لأنهما آيتان. ومعنى «بِأَيْدٍ» أي بقوة وقدرة. عن ابن عباس وغيره. { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } قال ابن عباس: لقادرون. وقيل: أي وإنا لذو سَعة، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء نريده. وقيل: أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا. عن ابن عباس أيضاً. الحسن: وإنا لمطيقون. وعنه أيضاً: وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال الضحاك: أغنيناكم؛ دليله:
عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ }
[البقرة: 236]. وقال القُتَبِي: ذو سعة على خلقنا. والمعنى متقارب. وقيل: جعلنا بينهما وبين الأرض سعة. الجوهري: وأوسعَ الرجلُ أي صار ذا سَعة وغِنىً، ومنه قوله تعالى: { وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } أي أغنياء قادرون. فشمل جميع الأقوال. { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا } أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها. { فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } أي فنعم الماهدون نحن لهم. والمعنى في الجمع التعظيم؛ مَهدت الفراشَ مَهْداً بَسَطته ووطَّأته، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها.

قوله تعالى: { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } أي صنفين ونوعين مختلفين. قال ٱبن زيد: أي ذكراً وأنثى وحلواً وحامضاً ونحو ذلك. مجاهد: يعني الذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسهل والجبل، والجنّ والإنس، والخير والشر، والبكرة والعشيّ، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطّعوم والأراييح والأصوات. أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا فليقدر على الإعادة. وقيل: { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } لتعلموا أن خالق الأزواج فرد، فلا يقدّر في صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ٱبتداء ولا ٱنتهاء؛ إذ هو عز وجل وتر
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
[الشورى: 11]. { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }.