* تفسير الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي (ت 671 هـ) مصنف و مدقق

{ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } * { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ }

قوله تعالى: { وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا } هذا من نعمه أيضاً، ومما يدل على كمال قدرته. قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء؛ كما قال:
وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }
[النازعات: 30] أي بسطها. وقال:
وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ }
[الذاريات: 48]. وهو يرد على من زعم أنها كالكرة. وقد تقدّم. { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالاً ثابتة لئلا تتحرك بأهلها. { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } أي مقدّر معلوم؛ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وإنما قال «موزون» لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء. قال الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا مِرّة   عندي لكل مُخاصِم مِيزانُه
وقال قتادة: موزون يعني مقسوم. وقال مجاهد: موزون معدود. ويقال: هذا كلام موزون؛ أي منظوم غير منتثر. فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن من الجواهر والحيوانات والمعادن. وقد قال الله عز وجل في الحيوان:
وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً }
[آل عمران: 37]. والمقصود من الإنبات الإنشاءُ والإيجاد. وقيل: { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا } أي في الجبال { مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقزدير، حتى الزِّرنيخ والكحل، كل ذلك يوزن وزناً. رُوي معناه عن الحسن وابن زيد. وقيل: أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن. وقيل: ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجلّ قدراً وأعم نفعاً مما لا ثمن له. { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } يعني المطاعم والمشارب التي يعيشون بها؛ واحدها معيشة (بسكون الياء). ومنه قول جرير:
تكلّفني مَعِيشةَ آلِ زيدٍ   ومَن لي بالمرقَّق والصِّناب
والأصلُ مَعْيِشة على مَفْعِلة (بتحريك الياء). وقد تقدّم في الأعراف. وقيل: إنها الملابس؛ قاله الحسن. وقيل: إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة. قال الماورديّ: وهو الظاهر. { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } يريد الدواب والأنعام؛ قاله مجاهد. وعنده أيضاً هم العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم:
نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم }
[الإسراء: 31] ولفظ «من» يجوز أن يتناول العبيد والدواب إذا اجتمعوا؛ لأنه إذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل، غُلّب من يعقل. أي جعلنا لكم فيها معايش وعبيداً وإماء ودواب وأولاداً نرزقهم ولا ترزقونهم. فـ«ـمن» على هذا التأويل في موضع نصب؛ قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: أراد به الوحش. قال سعيد: قرأ علينا منصور «وَمَنْ لستم له بِرازِقِين» قال: الوحش. فـ«ـمن» على هذا تكون لما لا يعقل؛ مثل
فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ }
[النور: 45] الآية. وهي في محل خفض عطفاً على الكاف والميم في قوله: «لكم». وفيه قبح عند البصريين؛ فإنه لا يجوز عندهم عطف الظاهر على المضمر إلا بإعادة حرف الجر؛ مثل مررت به وبزيد. ولا يجوز مررت به وزيد إلا في الشعر. كما قال:
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتِمنا   فٱذهب فما بك والأيامِ من عَجَب
وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وسورة «النساء».