* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق

{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } * { قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

يقول تعالـى ذكره: أو لـم يروا كيف يستأنف الله خـلق الأشياء طفلاً صغيراً، ثم غلاماً يافعاً، ثم رجلاً مـجتـمعاً، ثم كهلاً. يقال منه: أبدأ وأعاد، وبدأ وعاد، لغتان بـمعنى واحد. وقوله: { ثُمَّ يُعِيدُه } يقول: ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه أوّل مرّة خـلقاً جديداً، لا يتعذّر علـيه ذلك { إنَّ ذلكَ علـى اللّهِ يَسِيرٌ } سهل كما كان يسيراً علـيه إبداؤه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله { أو لَـمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىءُ اللّهُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ }: بـالبعث بعد الـموت.

وقوله: { قُلْ سِيرُوا فِـي الأرْضِ } يقول تعالـى ذكره لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للـمنكرين للبعث بعد الـمـمات، الـجاحدين الثواب والعقاب: سيروا فـي الأرض فـانظروا كيف بدأ الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها وكما أوجدها وأحدثها ابتداء، فلـم يتعذّر علـيه إحداثها مُبدئا، فكذلك لا يتعذّر علـيه إنشاؤها معيدا { ثُمَّ اللّهُ يُنْشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ } يقول: ثم الله يبدىء تلك البدأة الآخرة بعد الفناء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { قُلْ سِيرُوا فِـي الأرْضِ فـانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الـخَـلْق } خَـلْق السموات والأرض { ثُمَّ اللّهُ يُنْشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ }: أي البعث بعد الـموت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { ثُمَّ اللّهُ يُنْشِىءُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ } قال: هي الـحياة بعد الـموت، وهو النشور.

وقوله: { إنَّ اللّهَ عَلـى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } يقول تعالـى ذكره: إن الله علـى إنشاء جميع خـلقه بعد إفنائه كهيئته قبل فنائه، وعلـى غير ذلك مـما يشاء فعله قادر لا يُعجزه شيء أراده.