* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } * { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ }

قال أبو جعفر: يقول تعالـى ذكره: يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته، فأطيعوه ولا تعصُوه، فإن عقابه لـمن عاقبه يوم القـيامة شديد. ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك الـيوم وبدوّه، فقال: { إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةٍ شَيْءٌ عَظِيـمٌ }.

واختلف أهل العلـم فـي وقت كون الزلزلة التـي وصفها جلّ ثناؤه بـالشدّة، فقال بعضهم: هي كائنة فـي الدنـيا قبل يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، فـي قوله: { إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ } قال: قبل الساعة.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو عدنية، عن عطاء، عن عامر: { يا أيُّها النَّاسُ اتقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيـمٌ } قال: هذا فـي الدنـيا قبل يوم القـيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج فـي قوله: { إنَّ زَلْزَلَةَ السَاعَةِ } فقال: زلزلتها: أشراطها... الآيات { يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر: { يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ } قال: هذا فـي الدنـيا من آيات الساعة.

وقد رُوي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحو ما قال هؤلاء خبر، فـي إسناده نظر وذلك ما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي، عن إسماعيـل بن رافع الـمدنـي، عن يزيد بن أبـي زياد، عن رجل من الأنصار، عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لـمَا فَرَغَ اللَّهُ منْ خَـلْقِ السمَوَاتِ والأرْضِ، خَـلَقَ الصُّوْرَ فأعْطاهُ إسْرَافِـيـلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلـى فـيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلـى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتـى يُؤْمَرُ " قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: «قَرْنٌ». قال: وكيف هو؟ قال: " قَرْنٌ عَظِيـمٌ يُنْفَخُ فـيهِ ثَلاثُّ نَفَخاتٍ، الأُولـى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانـيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ. يَأْمُرهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إسْرافيلَ بالنَّفْخَةِ الأُولـى، فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ فَـيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأَرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ الله، ويَأْمُرُهُ اللَّهُ فَيُدِيمُها وَيُطَوّلها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التِي يَقُولُ اللَّهُ: ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَـيُسَيِّرُ اللَّهُ الجِبالَ فَتَكُونُ سَرَابـا، وَتُرَجُّ الأرْضُ بأهلها رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ، فَتَكُونُ الأرْض كالسَّفِـينَةِ الـموبَقَةِ فـي البَحْرِ تَضْرِبُها الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بأَهْلها، أوْ كالقِنْديـلِ الـمُعَلَّقِ بـالعَرْشِ تُرَجِّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَـمِيدُ الناسُ عَلـى ظَهْرِها فَتَذْهَلُ الـمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الـحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الولْدَانُ، وَتَطيرُ الشياطِينُ هارِبَةً حتـى تَأْتـي الأَقْطار فَتَلَقَّاها الـمَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعُ وَيُوَلّـي النَّاس مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضَهُمْ بَعْضَاً، وَهُوَ الذِي يَقُولُ اللَّهُ: { يَوْمَ التنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ } فَبَـيْنَـما هُمْ عَلـى ذلكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلـى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْراً عَظِيـماً، وأَخَذَهُمْ لِذَلكَ مِن الكَرْبِ ما اللَّهُ أعْلَـمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إلـى السَّماءِ فإذَا هِيَ كالـمُهْلِ، ثُم خُسِفَ شمْسُها وخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثرَتْ نُـجُومُها، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ "

2 3 4 5