* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق

{ أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ }

فإن قال قائل: وكيف قـيـل إن السموات والأرض كانتا، فـالسموات جمع، وحكم جمع الإناث أن يقال فـي قلـيـلة كنّ، وفـي كثـيره كانت؟ قـيـل: إنـما قـيـل ذلك كذلك لأنهما صنفـان، فـالسموات نوع، والأرض آخر وذلك نظير قول الأسود بن يعفر:
إنَّ الـمَنِـيَّةَ والـحتُوُفَ كِلاهُما   تُوفِـي الـمَخارِمَ يَرْقُبـانِ سَوَادِي
فقال: «كلاهما»، وقد ذكر المنية والحتوف لِما وصفت من أنه عنى النوعين. وقد أُخبرت عن أبـي عبـيدة معمر بن الـمثنـي، قال: أنشدنـي غالب النفـيـلـي للقطامي:
ألَـمْ يحْزُنْكَ أنَّ حِبـالَ قَـيْسٍوَتَغْلِبَ قَدْ تَبـايَنَتا انْقِطاعَا   
فجعل حبـال قـيس وهي جمع وحبـال تغلب وهي جمع اثنـين.

وقوله: { وَجَعَلْنا مِنَ الـمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ } يقول تعالـى ذكره: وأحيـينا بـالـماء الذي ننزله من السماء كلّ شيء. كما:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { وَجَعَلْنا مِنَ الـمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيّ } قال: كلّ شيء حيّ خُـلق من الـماء.

فإن قال قائل: وكيف خصّ كل شيء حيّ بأنه جعل من الـماء دون سائر الأشياء غيره، فقد علـمت أنه يحيا بـالـماء الزروع والنبـات والأشجار وغير ذلك مـما لا حياة له، ولا يقال له حيّ ولا ميت؟ قـيـل: لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت، وإن خالف معناه فـي ذلك معنى ذوات الأرواح فـي أنه لا أرواح فـيهنّ وأن فـي ذوات الأرواح أرواحا فلذلك قـيـل: { وَجَعَلْنا مِنَ الـمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ }.

وقوله: { أفَلا يُؤْمِنُون } يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهة من فعل ذلك ويفردونه بـالعبـادة؟


1 2