* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق

{ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

وقوله: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً } مردود علـى «الذي» الأولـى فـي قوله:
ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ }
[البقرة: 21] وهما جميعاً من نعت «ربكم»، فكأنه قال: اعبدوا ربكم الـخالقكم، والـخالق الذي من قبلكم، الـجاعل لكم الأرض فراشاً. يعنـي بذلك أنه جعل لكم الأرض مهاداً وموطئاً وقراراً يستقرّ علـيها. يذكّر ربنا جل ذكره بذلك من قـيـله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، لـيذكروا أياديه عندهم فـينـيبوا إلـى طاعته، تعطفـاً منه بذلك علـيهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير ما حاجة منه إلـى عبـادتهم، ولكن لـيتـم نعمته علـيهم ولعلهم يهتدون. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً } فهي فراش يُـمْشَى علـيها، وهي الـمهاد والقرار.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً } قال: مهاداً لكم.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً }: أي مهاداً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً }.

قال أبو جعفر: وإنـما سميت السماء سماءً لعلوّها علـى الأرض وعلـى سكانها من خـلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لـما تـحته سماءٌ. ولذلك قـيـل لسقـف البـيت سماؤه، لأنه فوقه مرتفع علـيه، ولذلك قـيـل: سما فلان لفلان: إذا أشرف له وقصد نـحوه عالـيا علـيه، كما قال الفرزدق:
سَمَوْنَا لِنَـجْرَانَ الـيَـمانِـي وأهْلِهِ   وَنَـجْرَانُ أَرْضٌ لَـمْ تُدَيَّثْ مَقاوِلُه
وكما قال نابغة بنـي ذبـيان:
سَمَتْ لـي نَظْرَةٌ فَرأيْتُ مِنْهَا   تُـحَيْتَ الـخِدْرِ وَاضِعَةَ القِرَامِ
يريد بذلك: أشرفت لـي نظرة وبدت، فكذلك السماء: سُميت للأرض سماءً، لعلوّها وإشرافها علـيها. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: { وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً } ، فبناء السماء علـى الأرض كهيئة القبة، وهي سقـف علـى الأرض.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة فـي قول الله { وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً } قال: جعل السماء سقـفـاً لك.

وإنـما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه فـيـما عدّد علـيهم من نعمه التـي أنعمها علـيهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنـياهم، فأعلـمهم أن الذي خـلقهما وخـلق جميع ما فـيهما وما هم فـيه من النعم هو الـمستـحقّ علـيهم الطاعة، والـمستوجب منهم الشكر والعبـادة دون الأصنام والأوثان التـي لا تضرّ ولا تنفع.

2 3