* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق

{ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله أنزل الله تعالـى ذكره هذه الآية علـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم: أنزلها علـيه احتـجاجاً له علـى أهل الشرك به من عبدة الأوثان، وذلك أن الله تعالـى ذكره لـما أنزل علـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم:
وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ }
[البقرة: 163] فتلا ذلك علـى أصحابه، وسمع به الـمشركون من عبدة الأوثان، قال الـمشركون: وما الـحجة والبرهان علـى أن ذلك كذلك، ونـحن ننكر ذلك، ونـحن نزعم أن لنا آلهة كثـيرة؟ فأنزل الله عند ذلك: إنَّ فـي خَـلْق السَّمٰوات وَالأرْض احتـجاجاً لنبـيه صلى الله عليه وسلم علـى الذين قالوا ما ذكرنا عنهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء، قال: نزل علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـالـمدينة:
وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ }
[البقرة: 163] فقال كفـار قريش بـمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالـى ذكره: { إنَّ فِـي خَـلْقِ السَّمٰوَاتِ والأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّـيْـلِ وَالنَّهَارِ } إلـى قوله: { لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فبهذا يعلـمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم من أجل أن أهل الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم (آيةً)، فأنزل الله هذه الآية يعلـمهم فـيها أن لهم فـي خـلق السمٰوات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك آية بـينة علـى وحدانـية الله، وأنه لا شريك له فـي ملكه لـمن عقل وتدبر ذلك بفهم صحيح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـيه، عن أبـي الضحى، قال: لـما نزلت:
وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ }
[البقرة: 163] قال الـمشركون: إن كان هذا هكذا فلـيأتنا بآية فأنزل الله تعالـى ذكره: { إن فـي خَـلْقِ السَّمٰواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّـيْـلِ والنَّهَارِ... } الآية.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن الـحجاج، ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، قال: حدثنـي سعيد بن مسروق، عن أبـي الضحى، قال: لـما نزلت
وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ }
[البقرة: 163] قال الـمشركون: إن كان هذا هكذا فلـيأتنا بآية فأنزل الله تعالـى ذكره إن فـي خَـلْق السّمَوَات والأَرْض وَاخْتِلاف اللَّـيْـلِ وَالنّهار... الآية.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، قال: حدثنـي سعيد بن مسروق، عن أبـي الضحى، قال: لـما نزلت هذه الآية جعل الـمشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله واحد، فلتأتنا بآية إن كنت من الصادقـين فأنزل الله: { إنَّ فِـي خَـلْقِ السَّمٰوَاتِ والأرضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّـيْـلِ وَالنَّهَارِ.

2 3 4 5