* تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق

{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } * { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } * { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً }

يعني تعالـى ذكره بذلك: فلعلك يا مـحمد قاتلُ نفسك ومهلكها علـى آثار قومك الذين قالوا لك
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً }
تـمرّدا منهم علـى ربهم، إن هم لـم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته علـيك فـيصدِّقوا بأنه من عند الله حزناً وتلهفـاً ووجداً، بإدبـارهم عنك، وإعراضهم عما أتـيتهم به وتركهم الإيـمان بك. يقال منه: بخع فلان نفسه يبخعها بَخْعا وبخوعا ومنه قول ذي الرُّمة:
ألا أيُّهَذَا البـاخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ   لِشَيْءٍ نَـحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الـمَقادِرُ
يريد: نـحَّته فخفف.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله: { باخِعٌ } قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فَلَعَلَّكَ بـاخِعٌ نَفْسَكَ } يقول: قاتل نفسك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قتادة، مثله.

وأما قوله: { أسَفـاً } فإنّ أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: فلعلك بـاخع نفسك إن لـم يؤمنوا بهذا الـحديث غضبـا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { إنْ لَـمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الـحَدِيثِ أسَفـاً } قال: غضبـاً.

وقال آخرون: جَزَعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله { أسَفـاً } قال: جزَعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: معناه: حزناً علـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: { أسَفـاً } قال: حزناً علـيهم.

وقد بـيَّنا معنى الأسف فـيـما مضى من كتابنا هذا، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وهذه معاتبة من الله عزّ ذكره علـى وجده بـمبـاعدة قومه إياه فـيـما دعاهم إلـيه من الإيـمان بـالله، والبراءة من الآلهة والأنداد، وكان بهم رحيـما.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق { فَلَعَلَّكَ بـاخِعٌ نَفْسَكَ عَلـى آثارِهِمْ إنْ لَـمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الـحَدِيثِ أسَفـاً } يعاتبه علـى حزنه علـيهم حين فـاته ما كان يرجو منهم: أي لا تفعل.

وقوله: { إنَّا جَعَلْنا ما عَلَـى الأرْضِ زِينَةً لَهَا } يقول عزّ ذكره: إنا جعلنا ما علـى الأرض زينة للأرض { لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً } يقول: لنـختبر عبـادنا أيُّهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فـيها بطاعتنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ما عَلـى الأرضِ زِينَةً لَهَا قال: ما علـيها من شيء.

2