* تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) مصنف و مدقق

{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } * { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } * { وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } * { وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } * { لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } * { سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } * { وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } * { وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ }

{ أَلَمْ يَرَوْاْ } ألم يعلموا وهو معلق عن قوله: { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ } لأن { كَمْ } لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبرية لأن أصلها الاستفهام. { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } بدل من { كَمْ } على المعنى أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم، وقرىء بالكسر على الاستئناف.

{ وَإِنْ كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } يوم القيامة للجزاء، و { إِن } مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة و «ما» مزيدة للتأكيد، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة { لَّمّاً } بالتشديد بمعنى إلا فتكون إن نافية وجميع فعيل بمعنى مفعول، و { لَدَيْنَا } ظرف له أو لـ { مُحْضَرُونَ }.

{ وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ } وقرأ نافع بالتشديد. { أَحْيَيْنَـٰهَا } خبر لـ { ٱلأَرْضِ } ، والجملة خبر { ءَايَةً } أو صفة لها إذ لم يرد بها معينة وهي الخبر أو المبتدأ والآية خبرها، أو استئناف لبيان كونها { ءايَةً }. { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } جنس الحب. { فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به.

{ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ } من أنواع النخل والعنب، ولذلك جمعهما دون الحب فإن الدال على الجنس مشعر بالاختلاف ولا كذلك الدال على الأنواع، وذكر النخيل دون التمور ليطابق الحب والأعناب لاختصاص شجرها بمزيد النفع وآثار الصنع. { وَفَجَّرْنَا فِيهَا } وقرىء بالتخفيف، والفجر والتفجير كالفتح والتفتيح لفظاً ومعنى. { مِنَ ٱلْعُيُونِ } أي شيئاً من العيون، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، أو { ٱلْعُيُونِ } و { مِنْ } مزيدة عند الأخفش.

{ لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل الضمير لله تعالى على طريقة الالتفات والإِضافة إليه لأن الثمر بخلقه، وقرأ حمزة والكسائي بضمتين وهو لغة فيه، أو جمع ثمار وقرىء بضمة وسكون. { وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } عطف على الثمر والمراد ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما، وقيل { مَا } نافية والمراد أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم، ويؤيد الأول قراءة الكوفيين غير حفص بلا هاء فإن حذفه من الصلة أحسن من غيرها. { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } أمر بالشكر من حيث أنه إنكار لتركه.

{ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا } الأنواع والأصناف. { مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } من النبات والشجر. { وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } الذكر والأنثى. { وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } وأزواجاً مما لم يطلعهم الله تعالى عليه ولم يجعل لهم طريقاً إلى معرفته.

{ وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } نزيله ونكشفه عن مكانه مستعار من سلخ الجلد والكلام في إعرابه ما سبق. { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } داخلون في الظلام.

{ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا } لحد معين ينتهي إليه دورها، فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لكبد السماء فإن حركتها فيه يوجد فيها بطء بحيث يظن أن لها هناك وقفة قال:
وَالشَّمْـسُ حَيْـرَى لَهَـا بِالجَـوِّ تَـدْوِيـمُ   
أو لاستقرار لها على نهج مخصوص، أو لمنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلثمائة وستين مشرقاً ومغرباً، تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل، أو لمنقطع جريها عند خراب العالم. وقرىء «لا مستقر لها» أي لا سكون فإنها متحركة دائماً و «لا مستقر» على أن «لا» بمعنى ليس. { ذٰلِكَ } الجري على هذا التقدير المتضمن للحكم التي تكل الفطن عن إحصائها. { تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } الغالب بقدرته على كل مقدور. { ٱلْعَلِيمُ } المحيط علمه بكل معلوم.